|
المحمولات الجينية وأنعكاساتها على أمراض
القلب الخلقية -
الجزء الأول
دكتور/ عبدالله عبدالرحمن العبد
القادر
استشاري ورئيس قسم الأطفال وقلب الأطفال والعناية المركزة
مستشفى الملك فهد بالهفوف
مقدمة
خلق الله عز وجل الكائن البشري في أحسن تقويم وأمتن علينا سبحانه وتعالى في
القرآن الكريم بذلك فقال تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )(
وعملية الخلق هذه هى واحدة من الأسرار الكبرى التي أوجدها عز وجل في القرآن
العظيم وعلى مدى التاريخ البشري بأكمله ظل الإنسان جاهلاً بأبسط قواعد
الخلق حتى الخمسينات من القرن الماضي وهى الفترة التي بدأ الجهد فيها حسيساً
لسبر أغوار الجين البشري أو حامل الرسائل العظمى المسئولة عن خلق بني البشر
وبالرغم من التطورات الضخمة في مجالات العلوم المختلفة والتي ساهمت إلى حد
بعيد في تطور الفهم العلمي لعملية الخلق إلا أن الحقيقة الكبرى تبقى كما
قال عز وجل ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فكلما فتحت أبواب من المعرفة
وجدنا أنفسنا أمام أبواب أخري أكثر من المجهولات التي تدعونا للتبصر ( وفي
أنفسكم أفلا تبصرون ) وعملية التبصر هذه هي ما نسميه في لغة الطب الحديث
بالتطور الطبي . وهى التي تقربنا من الحقيقة أكثر فأكثر وتبقى الحقيقة
المطلقة للخلق والتكوين وبالذات تكوين المادة ونفخ الروح سر ألهى مطلق .
ولإيماننا بالأهمية القصوى لمفهوم الجين البشري ومحمولاته الوراثية على
عملية التخليق البشري سنتناول في الصفحات التالية لهذا المقال لانعكاسات
المحمولات الوراثية على تكوين واحد من أهم الأعضاء البشرية إن لم يكن أهمها
ألا وهو القلب عسى أن يجد فيها القارئ الكريم في عالمنا العربي والإسلامي
الفائدة المرجوة .
أعلم ماهو الجين ؟
الجين هو عبارة عن مجموعة من جزيئات الحامض النووي مرتبة في صورة سلسلة
ثنائية مرتبطة مع بعضها بواسطة روابط من الأزواج المكملة ، والكروموسوم هو
حامل الجينات حيث تنتظم في صورة سلسلتين حلزونتي الشكل ملفوفتين حول بعضهما
، وبصورة أكثر تبسيطاً يعتبر الجين وحدة بناء الكروموسوم الذي هو بالتالي
جزء من الخلية البشرية المكونة للأعضاء المختلفة للإنسان .
وهذا الجين البشري يحمل الشفرات الوراثية المسئولة عن تكوين كل كائن بشري
وبخصائصه المميزة من تكوين الأعضاء والعادات والاستعداد لأمراض معينة وهو
بدورة يحمله إلى الأجيال القادمة من أبنائه ، قال المصطفى صلى الله عليـة
وسلم ( في نسلك مابينك وبين آدم ) وفي خلال الثمانية عشرة سنة ماضية فقد
تكمن المجتمع الطبي فضل من الله تعالى من إيجاد بعض الحلقات المفقودة
الرابطة بين العطب الجيني والمرض الخلقي وكنتائج طبيعية لتطور العلم
الجزيئي للجينات القلبية بدت في الأفق نتائج محسوسة لتطويع هذا العلم
للعلاج أو إحباط المرض في مراحل مبكرة وهو ما يعرف بالعلاج الجيني .
مراحل تخليق القلب البشري

يمثل الشكل ( 1 ) أحداث التخليق الأولي للكائن البشري التي تنتهي بزرع
النطفة في جدار الرحم ما بين اليومين الخامس والثامن من الإخصاب . وكجزء من
هذا التكوين العظيم يمر القلب البشري في مراحل تكوينية مادية ووظيفية حرجة
تتميز بالدقة الشديدة والتناسق المزهل الذي ينتهي بتكوين القلب البشري
والأوعية الدموية التابعة له . وحين يشاء الله سبحانه وتعالى بتعطيل أو
شذوذ أي من هذه المراحل التكوينية ينتج ما نسميه بالمرض الخلقي القلبي .
وأهم هذه المراحل ما يلي :
1- التشكيل القلبي المبكر ( الشكل رقم 2 )

أول طلائع تطوين القلب البشري يتمثل في تجمعات من الخلايا الوعائية التي
تنتظم على جانبي المحور المركزي للنطفة . ويتطور هذا التشكيل إلى أنبوبين
قلبيين مزدوجين في اليوم الثامن عشر من عمر النطفة . وباندماج هذين
الأبنوبين يتكون ما نسميه بأنبوب القلب البدائي في اليوم الثاني والعشرين
من عمر النطفة وبعد هذه المرحلة تستمر عملية التكوين بهجرة خلايا متخصصة –
في عملية تتميز بالتناسق المزهل – إلى أنبوب القلب البدائي . وعملية
التشكيل المبكرة هذه محكومة جزئياً بتفاعل إشارات جزيئيه خاصة تتفاعل مع
مستقبلات مميزة لتنظيم عملية النسخ الجيني وفي هذه المراحل المبكرة جداً من
التخليق ( 20-22 يوم ) أمكن رصد أول عملية انقباض قلبي بشكل دوري وهى
مشابهة إلى حد كبير مراحل الانقباض القلبي للقلب المكتمل فسبحان الخالق
العظيم على ما أبدع .
2- مرحلة الالتفاف القلبي
في الفترة ما بين 22-24 يوم من التخليق تتم مرحلة ذات أهمية قصوى في تكوين
القلب ألا وهى التفاف الأنبوب القلبي وذلك بالانحناء البطني جهة اليمن .
وإلى الآن لم يمكن التعرف على القوى الحيوية الميكانيكية التي تحكم هذه
العملية التي يمثل أي خلل فيها بداية تكون مرض خلقي قلبي شديد . ولقد ثبتت
مسئولية العطب الجيني نتيجة وجود عيوب بعملية الإلتفاف القلبي لدى الفئران
.
3- مرحلة تكوين الحواجز القلبية

وبعد انتهاء مرحلة الالتفاف القلبي يبدو القلب من الخارج مكتملاً ولكنه
يبقى داخليا ً كالأنبوبة ويبدأ تكوين الحاجز البطيني عند عمر 25 يوماً
والأذيني عند عمر 30 يوماً في عملية تتسم بالتعقيد وتعدد المراحل . تتطور
لتكوين مخارج البطينات ينتج عنه في المحصلة النهائية خروج الشريان الرئوي
من البطين الأيمن والأورطي من البطين الأيسر . وفي حالة حدوث خلل في هذه
العملية الدقيقة ( الشكل – 3 ) يولد الطفل بعيوب قلبية خلقية جزعية مثل
رباعية فالوت والبطين الأيمن ثنائي المخارج وغيرها . ولقد ثبت في السنوات
الأخيرة علاقة عيوب جينية معينة بمثل هذه العيوب الخلقية مثل عيوب
الكروموسوم 22 مما يؤكد دور المعلومات المحمولة في الجينات لسلاسة عملية
التخليق القلبي لهذه الأجزاء من القلب بعد ذلك يمر القلب بمراحل أخرى من
التكوين تتعلق بتخليق الشرايين الكبرى ومراحل تميز الخلايا القلبية وتطورات
وظيفية دقيقة لا نود الخوض فيها محصلتها النهائية تكوين القلب والأوعية
الدموية ( الشكل – 4 ) بصورتها النهائية .
المحمولات الوراثية وأمراض القلب الخلقية

أولاً : التشوهات الكروموسومية
تتكون الخلية البشرية في الإنسان من 46 كروموسوم عبارة عـن 23 زوج ( نصفها
من الأب والنصف الأخر من الأم ) مختلفة الأشكال والمحتوى ، ويسمى أول 22
زوج كروموسومي بالكروموسومات الجسدية والكروموسوم رقم 23 بالكروموسوم
الجنسي الذي يحدد جنس المولود ذكراً أو أنثي .
وتستخدم لغرض التحليل الكروموسومي خلايا دموية أو جلدية وتتميز تلك الخلايا
بإمكانية الحصول على معلومات بفحصها بميكروسكوب دقيق وإن كانت تستغرق وقتاً
طويلاً . كما يمكن استخدام خلايا نخاع العظم وهى طريقة سريعة تستغرق 3- 5
ساعات وتستخدم لاستنباط معلومات عددية سريعة لتشخيص بعض المتـلازمـات (
متلازمة 13 كمثال ) أو لتشخيص بعض الأمراض الدموية الخبيثة ) . أما بالنسبة
لما قبل الولادة فيمكن استخدام خلايا السائل الأمنيوتي في الفترة من 9-11
أسبوع . ولغرض التبسيط يمكن اختصار عيوب الكروموسومات بعيوب تتعلق بالعدد
وأخرى بالتركيب . وتنتج كثيراً من العيوب الكروموسومية أثناء مراحل تكوين
الأمشاج بمراحلها المختلفة . نتيجة شذوذ انقسامي أو فقد أجزاء كروموسومية
أو عمليات تبادل المحمولات الوراثية بين الكروموسومات المختلفة أو تكوين
كروموسومات حلقية أو متناظرة أو خلافه . وينتج عن هذه العمليات بأمر الله
تعالى تغير سلسلة الرسائل الجينية المحمولة في مناطق معينة تبرز للعيان
كمتلازمات أو تشوهات خلقية قلبية أو غيرها في أعضاء أخرى أو كلاهما معاً .
وسنستعرض فيما يلي أهم هذه الأمراض :
1- متلازمة داون ( المتلازمة المنغولية )
وهى أكثر الأمراض الكروموسومية بين بني البشر وهى توجد في واحد لكل 600
–800 مولود حي . وينتج هذا المرض بسبب تغير بزوج الكروموسومات رقم 21
بزيادة كروموسوم على هذا الزوج . ولحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى ينتج عن
هذا التغير الذي يبدو بسيطاً تخليق إنسان من نوع خاص ذو شكل مميز وتخلف
عقلي وعيوب جسمية بنسب مختلفة تشمل القلب ( من 40 –50 % من الحالات )
وأجهزة أخرى مثل الجهاز الهضمي والعضلي العظمي والعصبي والتنفسي وغيرها
واحتمال الإصابة بأمراض سرطان الدم والتشنجات الدماغية وعتمة العين
وانزلاقات الفقرات العنقية القاتلة وغيرها . ولقد أمكن مؤخراً بعد البحث
المستفيض لكروموسوم 21 تحديد المناطق الحرجة للمشاكل الأكثر شيوعاً في هذا
المرض ألا وهى ومنطقة العيوب الخلقية ومنطقة التخلف العقلي ( أنظر الشكل -
5 ) وتتميز عيوب القلب الخلقية في هذا المرض بخصوصية شديدة لعيوب خلقية
بذاتها وندرة ملفته للنظر لعيوب أخرى . وأهم العيوب القلبية الخلقية
الفتحات مابين البطينين أو الأذينين أو بين البطين والأذين .

وبالرغم من أن هذه المتلازمة كغيرها من المتلازمات لا يمكن منعها منذ
البداية إلا أنه ثبت بالدراسات التجريبية علاقتها القوية بتقدم عمر الأم
فعلي سبيل المثال يوجد مريض لكل 1700 مولود للأمهات تحت سن 20 سنة من العمر
ويبدأ هذا الرقم بالتصاعد مع تقدم العمر حتى يصل إلى مريض إلى كل 3000
مولود عند عمر 36 سنة ومريض لكل 100 مولود عند عمر 40 سنة ومريض لكل 25
مولود للأمهات فوق 45 سنة . وعموماً يستحب عدم الإنجاب للسيدات ما فوق 36
سنة من العمر لتسارع نسبة حدوث المرض بعد هذا العمر .
2- متلازمة أدوارد :
وينتج بسبب زيادة كروموسوم ثالث على الزوج رقم 18 ، ويحتل المرتبة الثانية
من حيث الشيوع بين بني البشر بعد متلازمة داون ويحدث مرة واحدة لكل 3000
ولادة تقريباً . وتزداد الإصابة مع تقدم عمر الأم أيضاً ، وهذه المتلازمة
تزداد في الإناث ( 3 إناث لكل 1 ذكر ) ويتميز المصابون بهذه المرض بنقص
الوزن عند الولادة ارتفاع كبير لنسبة الإصابة بأمراض القلـب ( 90% ) .
وأكثرها شيوعاً الفتحات ما بين البطينين وتوصيلة شريانية ما بين الشرايين
الكبرى ومن العلامات البارزة لهذا المرض العدد الكبير من التشوهات الخلقية
وشدتها التي تشمل ثقوب سقف الفم والشفة الأرنبية وعيوب الجهاز التنفسي
والهضمي وفتق الحجاب الحاجز وإلتواءات الأمعاء وكذلك تشوهات الكلى ومياه
الدماغ وأكياس الأغشية العصبية للحبل الشوكي وتشوهات الفقرات الظهرية
والتخلف العقلي ( 100% من المرضى ) وغيرها الكثير . ويمثل العيب
الكروموسومي بوجود كروموسوم زائد على الزوج 18 الشرارة الأولى التي تتوالى
بعدها الأحداث العظام لتكوين كائن بشري مصاب بهذه العاهات الشديدة التي
تتسبب في الوفاة المبكرة لمعظم المصابين في الأشهر الأولى من العمر وتمثل
الإصابة القلبية واحدة من أهم أسباب الوفاة المبكرة .
3- متلازمة باتو
وتنتج بسبب وجود كروموسوم ثالث زائد على الزوج الكروموسومي رقم ( 13 )
ويحدث في حالة واحدة لكل 8000 ولادة وتزداد الإصابة به أيضاً مع تقدم عمر
الأم . ويصاب 80% من المرضى بعاهات قلبية أهمها فتحات مابين البطينين
وتوصيلة شريانية مابين الشرايين الكبرى . وتمثل العاهات القلبية إضافة إلى
العاهات العصبية وفتحات سقف الحلق والشفة الأرنبية وضمور منتصف الوجه وصغر
محيط الرأس وتشوهات العين والأذن أهم العلامات البارزة لهذا المرض ومن
التشوهات المصاحبة الأخرى تشوهات الرحم لدى الإناث والتشوهات التناسلية
لعضو الذكر وعدم نزول الخصي . وبسبب هذه المجموعة من التشوهات الشديدة يقضي
معظم المصابين نحبهم خلال الستة أشهر الأولى من العمر ومن النادر أن يمتد
عمر المصاب إلى 3 سنوات .
إلى اللقاء في الجزء الثاني >>
|
الجزء الأول |
الجزء الثاني
|
الجزء الثالث |
الجزء الرابع |
الجزء الخامس |
|