User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد الرابع عشر

علم الأدوية الجينية
دكتور / محمد جابر اليماني
أستاذ مشارك الصيدلة الإكلينيكية وصيدلة المستشفيات
كلية الصيدلة – جامعة الملك سعود
 

مقدمة

كان السائد فيما مضى أن نتعامل مع الأدوية التي تعالج المريض على أساس أن دواء ما سيشفي ، بأذن الله عدداً من المرضى ، أو نسبة مئوية منهم . وتزيد هذه النسبة وتنقص حسب نوع الدواء ، ونوع المرض ، والأهم من ذلك ، وهو الجديد في الموضوع هو المريض ذاته . إن مبدأ أن دواء ما سيكون فعالاً ومفيداً لجميع المرضى الذين يستعملونه قد تعرض لبعض النقد منذ سنوات ، وأن كنا مانزال نستعمل الأدوية من خلال هذا الفهم العام.

يعرف ولقد عرف منذ زمن طويل أن المريض يستجيب بدرجة مختلفة للأدوية عن استجابة المرضى الآخرين ، وأن ذلك الاختلاف قد ينشأ من نتيجة لاختلاف التركيب الوراثي للشخص عن غيره وترجع جذور هذا الفهم إلى تجارب جيجور مندل التي تمت حوالي عام 1865م ، وهى التجارب التي أسست لعلم الوراثة بمفهومه الحديث .
لكن التقدم الهائل في فهم الشفرة الوراثية ، وتحديد عدد كبير من الجينات المختلفة أتاح للعلماء ، أن يروا ، كما يقول التعبير أن يروا بعض الضوء في نهاية النفق . وبالتالي فقد أصبح من المتاح أن نحلم أن عصر " الأدوية المفصلة خصيصاً " قد لا يكون أمراً بعيد المنال . وقد لا يكون ذلك متاحاً خلال الأشهر القادمة ، ولكنه بإذن الله سوف يكون ممكناً وربما شائعاً خلال السنوات القادمة .
لكن أكبر خطوة في التاريخ الطبي الحديث والتي أعطت دفعة في التقدم الطبي البشري للأمام مشروع الجينوم البشري والذي بدأ منذ مدة ، وقد يندهش البعض عندما يعرف أنه منذ عام 1996م تم كشف ما مجموعه 62 مورث ذا علاقة وثيقة بالأمراض عند البشر .

الأدوية الجينية
وفي مقالنا هذا سوف نبدأ ببعض الحديث عن الجينات البشرية التي تتكون من 23 زوجاً من الكروموسومات وتحتوي ما بين 30000-40000 مـورث ويشترك الناس جميعهم فيما نسبته 99.9 % من الجينات . وما يمنح أيا منا فرديته وشخصيته المتميزة هي جزء ضئيل جداً . وهذا بدوره سيؤدي إلى اختلافات في إنتاج البروتينات ، بما في ذلك تلك المسؤولة عن تشييد البروتينات ونقلها ، وكذلك تشييد مستقبلات الأدوية ، والنشاط التمثيلي للأدوية . وبإختصار فإن هذا هو سر وجود استجابة مختلفة للأدوية بين الأشخاص المختلفين .
لقد اصبح ذلك ممكناً بفضل تعرفنا السريع على عشرات الآلاف من المورثات ، ومئات الألوف من (D.N.A ) ، والتباين الذي نجده فيها بين شخص وآخر . وذلك الأمر يبين أنه قد يؤدي إلى تباين في القابلية للأمراض . ونتيجة لكل ذلك ظهر ما يعرف علم الأدوية الجينية والذي دفع بعشرات الشركات لتبدأ خلال السنوات الماضية سباقاً من أجل تحديد هذه الجينات ومحاولة اكتشاف العلاقات التي قد توجد بين هذه المورثات ، والأمراض ، والاستجابة للأدوية وتجنب بعض الآثار الجانبية غير المرغوب فيها .
وما يعنيه هذا ، بالنسبة للشركات التي ما تزال تستثمر في الأدوية التقليدية ، أن البساط قد يسحب من تحت أقدامها ، ولكنه يعتبر بالنسبة للشركات الأخرى فرصة للتصدي للآثار الجانبية غير المرغوبة لبعض الأدوية .
والمفتاح الأولى لفهم الموضوع هى وحدات صغيرة تعرف باسم SNPs ليس لها أي تأثير على تركيب المورثات المسببة للمرض ، إلا أن بعضها ، حين تتغير تصبح ذات تأثير بالغ ، ويمكن أن يتم ذلك التأثير إما عن طريق تأثيرها على المورث ، أو بسبب تحديد موقع المورث المسبب للمرض بدقة أكبر ، مما يؤدي إلى ظهور المرض .

جهود الشركات الصانعة للأدوية
لم تتوان الشركات في السعي للتعرف على تأثير مثل هذه التغييرات على التشخيص ، أو على مستقبل المرض عند مريض معين .
وكما يعلم الجميع إن عدداً من الأدوية تعمل من خلال بروتينات مستهدفة ، قد تكون إما " مستقبلات " أو " إنزيمات " أو " قنوات " . وإنطلاقاً مما ذكر آنفاً فإن التغير في هذه البروتينات قد ينتج عنه استجابة علاجية مختلفة . وهكذا فإن البحوث الآن تركز على تطبيق هذا العلم في اكتشاف أدوية جديدة ، وبتركيز أكثر على تحديد " أهداف " الأدوية الجديدة . ولا يمكن إنكار أنه تم بعض النجاح إلى الآن ، حيث أمكن تحديد المواقع المستهدفة أو المستقبلات لما يقرب من 400 دواء . أن نتمكن مستقبلاً في تحديد مستقبلات حوالي 3000 دواء ومما لا شك فيه أن هذا سوف يفتح آفاقاً جديدة للعلاج ، بل ويتيح فرصة لمعرفة من هم المرضى الذين سيستجيبون للعلاج ، ويستفيدون منه بالدرجة القصوى .
إن تطوير وسائل أفضل للتشخيص ، مع تطوير وسائل علاجية جديدة ، ستتيح للعاملين في القطاع الصحي فرصة ذهبية لتحسين استجابة المرضى للعلاج بشكل أفضل . ومن المعلوم أن معظم شركات الأدوية تجري التجارب للأدوية الجديدة لمعرفة طريقة تمثيلها في الجسم ، وهذه المعلومات ستكون ذات فائدة كبرى لمعرفة المرضى الذين سيستفيدون من الدواء حينما يصبح متاحاً للاستعمال بشكل روتيني .

الإنزيمات التي تمثل الأدوية
تنقسم الإنزيمات المسؤولة عن تمثيل الأدوية بالجسم إلى قسمين رئيسيين ، اعتماداً على معدل هذا التمثيل ونوعه . فلو كان الإنزيم الذي يؤثر على الدواء يسبب إيقاف مفعول الدواء ، فإن هؤلاء المرضى سيحتاجون إلى جرعة أقل من ذلك الدواء ، وذلك أن الجرعة العادية قد تسبب نوعاً من السمية لدى هؤلاء المرضى
وهناك نوع آخر من الإنزيمات مشهور هو الـ " سيتوكروم ب 45 " من مجموعات الإنزيمات المؤكسدة ، والذي يوجد في الكبد ، ويلعب دوراً مهماً في تمثيل عدد كبير من الأدوية قيد الاستعمال في عصرنا الحاضر . وإذا ما علمنا أن هناك ما يقرب من 200 من هذه الإنزيمات ، وأن هناك فوارق كبيرة في طريقة عمل هذه الإنزيمات بين الأشخاص المختلفين عرفنا لماذا هذا الاختلاف بين الأشخاص .
وعموماً يمكن تقسيم الأشخاص إلى قليلي التمثيل ، متوسطي التمثيل ، ومن يمثلون الأدوية بدرجة عالية . وينتج عن هذه الفوارق درجات مختلفة من الفعالية ودرجات مختلفة من السمية التي تظهر للأدوية نتيجة استعمالها من قبل المرضى المختلفين . ولكي يتضح الأمر بجلاء فإننا سوف نستشهد بمثال وهو الإنزيم المعروف باسم سيب 2 دي 6 الأشخاص قليلي التمثيل بين الآسيوين 1-2% بينما في الأشخاص الأمريكان من أصول أفريقية تبلغ 5% ، وتصل لدى ذوي الأصول القوقازية إلى 10% وإذا ما أعطيت أدوية تحتاج إلى تمثيل لكي تتحول إلى مادة غير فعالة ، أي غير سامة ، نجد أن هؤلاء الذي يمثلون الأدوية بدرجة قليلة ، معرضون أكثر من غيرهم لسمية هذه الأدوية . وقد تم التعرف على ما يزيد عن 40 دواء من تلك التي قيد الاستخدام ، وبالذات في مجال أمراض القلب ، والأمراض النفسية . وتعتبر هذه المعرفة ذات أثر هام وبالذات في علاج الأمراض النفسية .
ولا يقتصر عمل هذا الإنزيم على ذلك فحسب بل هو مسؤول أيضاً عن تمثيل السموم التي تعتبر مسرطنة أو تغير في تكوين الخلايا ومعنى هذا أن هذه المواد ستكون أكثر خطورة عند الأشخاص الذين يمثلون هذه المركبات بدرجة عالية ، لأنهم ببساطة شديدة يحولونها إلى مواد أكثر فعالية وبالتالي أكثر ضرراً .
ومثال آخر لتأثير الأدوية على عدد من المرضى الذين يصابون بحساسية شديدة لها دواء الأومبرازول الذي يستعمل في علاج القرحة ودواء الفاليوم وله استخدامات عديدة ، ودواء البروبرانولول من أدوية القلب شائعة الاستعمال ، ودواء الأمتريبتالين أحد الأدوية المستخدمة لعلاج الاكتئاب ، وقد اكتشف مؤخراً أنها ذات علاقة بإنزيم يعرف علمياً باسم سيب 2 سي 19 . وتبلغ نسبة قليلي التمثيل لهذا الأنزيم بين الآسيويين 3-23% بينما لا تزيد هذه النسبة لدى القوقازيين عن 2-5 % .
ويختلف الحال مما ذكر سابقاً إذا كان الأمر يتعلق باستخدام دواء غير فعال ، يحتاج أن يتم تفعيله داخل الجسم عن طريق التمثيل في الجسم ومن الأمثلة المشهورة على هذا النوع من الأدوية هو دواء الكودين ، مسكن الألم المعروف ، وفي حالة اعطائه للمرضى بطيئي التمثيل قد لا يستفيدون بشكل جيد من أثره المسكن ، نظراً لقلة النسبة التي تتحول إلى دواء فعال من دواء الكودين .
تعريف العلاج بالأدوية الجينية
ولعل الجميع يستغرب تأخيرنا تعريف علم الأدوية الجينية لهذا الجزء من المقال ، ولكن الأمر سوف يكون صعباً لو لم نحاول قدر المستطاع تبسيط الموضوع من خلال مقدمتنا السابقة خاصة أنه يتم طرحه للقارئ غير المتخصص . إن علم الأدوية الجينية علم يختص بدراسة الأساس الجيني " الوراثي " المؤثرة في الاختلافات الشخصية في الاستجابة للعلاج . وبعبارة أخرى هو العلم الذي يدرس الفوارق الوراثية التي تحدد الاستجابة للأدوية ، كما يقوم هذا العلم بفحص الطريقة التي يمكن بواسطتها معرفة هذه الفوارق لتوقع ما إذا كان المريض سيستجيب للدواء بشكل جيد ، أو بشكل سيئ ، أو أن لا يستجيب للدواء إطلاقاً . وكما يتضح من التعريف أعلاه فإن علم الأدوية الجينية علم واسع . وهو بذلك يشبه الطب الجزيئي الذي ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين .
تطبيقات هذا العلم الجديد
يؤدي هذا العلم إلى زيادة معرفتنا الأضرار غير المرغوبة فيها للأدوية ، وكيفية الوقاية منها ، ومدى فعالية الأدوية وقد تحدثنا عنها فيما سبق ، ومما يبعث على السرور أن هناك مشروعاً يجري الآن عن الأدوية التي تعالج عدم انتظام ضربات القلب ، وعلاقتها بعلم الأدوية الجينية .
إن النتيجة التي ننتهي إليها من هذا المقال يمكن تلخيص أهم نقاطها فيما يلي : إن مقولة أن مقاساً واحداً من الأدوية يناسب الجميع ثبت خطئه ، وهذه حقيقة تزداد معرفتنا بها يوماً بعد يوم . كما أن حقائق كثيرة أوضحت لنا استجابة بعض المرضى لدواء معين ، بينما لا تكون الاستجابة بالشكل المتوقع عند البعض الآخر . ومن المؤكد أن هذا العلم سوف يسهم بقدر كبير في الإجابة على سبب تعرض بعض المرضى للآثار الجانبية للدواء دون غيرهم .
لكن الهدف البعيد ، والذي قد نستغرق وقتاً طويلاً للوصول إليه ، رغم أنه ليس مستحيل المنال ، هو أن " نصمم " أدوية لمريض معين وبشكل يضمن الاستجابة الجيدة ، ويقلل من مخاطر استخدام الدواء . وختاماً فإن مثل هذه الأدوية لن تأتي بثمن بخس ، فهي ستكون بالتأكيد غالية الثمن ، وهو ثمن يمكن تبريره جزئياً من مبدأ " ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر " ولكن الشركات الصانعة وتطلعها إلى أرباح فاحشة قد تجعل مثل هذه الأدوية في متناول قلة محظوظة تستطيع تحمل تكلفتها المادية الباهظة . والمنطق يقول أن الليالي حبالى ولا نعرف ما الذي قد يأتي به الغد في عالم الدواء.