User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد الرابع

موت القلب
أ . د / سيد محمد ساداتي الشنقيطي
أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

رأينا من خلال ماسبق من مظاهر القلوب الحية أن هناك علامات تدل على حالة القلب السليم ، وكذلك هناك علامات تدل على حالة القلب الميت أو المريض ، ومن أبرز تلك العلامات وأظهرها أن يتعذر على الإنسان ماخلق له من المعرفة بالله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة .
ومنها قلة الأنفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة ، فقلوب أهل المعاصي معرضة عن كتاب الله وسنة رسوله ، فهى مظلمة بعيدة عن الحق لايصل إليها شيئ من نور الإيمان وحقائق الفرقان .
 
ومنها إيثار الدنيا على الآخرة كما في حديث جابر رضي الله عنه : تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يصبح مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا ، ومنها حب الشهوات " ولاتطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا وأتبع هواه وكان أمره فرطاً " ( سورة الكهف آية 28 " ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله " ( سورة القصص آية 50 ) ، ومنها شدة الغفلة " أقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون 1 مايأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا أستمعوه وهم يلعبون 2 لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون " ( سورة الأنبياء الآيات 1، 2 ، 3 ) وإنما يقسى القلب ويحدث الغفلة كثرة الفضول من الأقوال والأفعال وتنويق المأكل والمشرب ، فإن هذه الأمور تحدث ظلمة القلب وموته ، ومنها قحط العين وجفافها فتلك من مظاهر قسوة القلب ، وماضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله ، فأبعد القلوب من الله القلب القاسي ، وقسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة : الأكل والنوم والكلام والمخالطة ، من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهواته ، فالقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها ، وأهل المعرفة من أحيوا قلوبهم بقتل الهوى ، وأما من قتل قلبه وأحيا الهوى فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه .
ومنها القلق والأضطراب والخوف " سنلقي في قلوب الذين كقروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطناً " ( سورة آل عمران آية 151 ) ، ومنها عدم الشعور وقلة الإحساس " لهم قلوب لايفقهون بها ولهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغفلون " ( سورة الأعراف آية (179) ، ومنها هوان القبائح عليه والرغبة في المعاصي " ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا ويشهد الله على مافي قلبه وهو ألد الخصام 204 وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لايحب الفساد ( سورة البقرة الآيات 204 ، 205 ) " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعم والنار مثوى لهم وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكنهم فلا ناصر لهم " ( سورة محمد الآية 12 ) .
ومنها عدم إنكار المنكر ، فإن كان القلب لايعرف معروفاًصص ولاينكر منكراً نكس فجعل أ‘لاه أسفله كما قال علي رضي الله عنه ، ومنها الشعور بقوة القلب وخشونته " فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " ( سورة الحديد آية 16 ) " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة " ( سورة البقرة آية 74 ) ، ومنها أنحباس الطبع وضيق الصدر والشعور بالقلق والضيق بالناس " ومن يرد أن يضله يجعل صدرة ضيقاً حرجاًص كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لايؤمنون " ( سورة الإنعام آية 125 ) ومنها عدم التأثر بآيات القرآن " حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال لإنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم " ( سورة محمد آية 16) . " وأما الذين في قلوبهم مرضض فزادهم رجساًصص إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " ( سورة التوبة آية 125 ) ، ومنها عدم التأثر بالموعظة عامة وبالموت ولا رؤية الأموات خاصة " أولاً يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولاهم يذكرون " ( سورة التوبة آية 126) ، ومنها أزدياد الشغف بملذات الدنيا والحرص عليها " إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا وأطمأنوا بها والذين هم عن أياتنا غفلون " ( سورة يونس آية 7 ) ، ومنهاظلمة في روحه تنعكس على وجهة يبصرها أصحاب الفراسات الإيمانية " والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من اليل مظلماً " ( سورة يونس آية 27 ) " إن للحسنة لنوراً في القلب وقوة في البدن وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق ، وإن للسيئة لظلمة في القلب وسواداً في الوجه ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضاً في قلوب الخلق . ومنها تكاسل عن أعمال الخير " ولايأتوتن الصلوة إلا وهم كسالى ولاينفقون إلا وهم كرهون " 54 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله لعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كفرون " ( سورة التوبة الآيات 54، 55 ) ومنها شدة الغفلة عن الله وعدم الأنتفاع بالنعم وعدم الأتعاظ بالنقم " فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون 43 فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون 44 ( سورة الأنعام الآيات 43 ، 44 ) بل قلوبهم في غمرة من هذا ( سورة المؤمنون آية 63 ) ومنها حرمان العلم ´طراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولاالضالين " ( سورة الفاتحة الآية 7 ) " على قلوبهم فهم لا يسمعون " ( سورة الأعراف آية 100 ) ومنها الإحساس بالوحشة بين العبد وربه " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " ( سورة آل عمران آية 156 ) " يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم " ( سورة التوبة آية 64 ) " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله " ( سورة الزمر آية 22 ) ، ومنها الإحساس بالوحشة بينه وبين الخلق وخاصة الصالحين " يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ( سورة التوبة آية 8 ) ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر " ( سورة آل عمران آية 118 ) .
ومنها عدم الإستجابة للله وللرسول " وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا 57 وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا 58 ( سورة الكهف آية 57 ) " أنظر كيف نصرف الأيات ثم هم يصدفون 46 قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظلمون 47 ( سورة الأنعام آية 46 ) " ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون " ( سورة الأنفال آية 23 ) .
وقد كشف إبراهيم بن أدهم عن أسباب موت القلوب ، وعدم الأستجابة للحق فقال : لأن قلوبكم قد ماتت بعشرة أشياء عرفتم الله فلم تؤدوا حقه ، وقرأتم كتاب الله ولم تعملوا به ، وأدعيتم عداوة الشيطان وواليتموه ، وأدعيتم حب الرسول صلى الله عليه وسلم وتركتم أثره وسنته أدعيتم حب الجنة ولم تعملوا لها ، وأدعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب ، وأدعيتم أن الموت حق ولم تستعدوا له ، وأشتغلتم بعيوب غيركم وتركتم عيوب أنفسكم ، وتأكلون رزق الله ولاتشكرونه ، وتدفنون موتاكم ولاتعتبرون .
ومعلوم أن هذه المظاهر والعلامات التي كشف عنها هنا هى في الحقيقة من الدلالات على موت القلب بالكفر كلية أو مرضه بالشك والشهوة عياذاً بالله ، ولو مات أصحابها على ذلك لدخلوا النار ، وقد قالوا : " إنما يدخل الناس النار من ثلاثة أبواب باب أورث شكاً في دين الله وبابب شهوة أورث تقديم الهوى على طاعته ومرضاته ، وباب غضب أورث العدوان على خلقه . . أصول الخطايا ثلاثة الكبر وهو الذي صير إبليس إلى ما صار إليه ، والحرص وهو الذي أخرج آدم من الجنة ، والحسد وهو الذي جرأ أبن آدم على أخيه ، فالكفر من الكبر ، والمعاصي من الحرص والبغي والظلم من الحسد " .
وما دمنا قد بينا فيما مضى مظاهر حياة القلب وصحته ، ومظاهر موت القلب وفساده ، فإنه يجدر بنا أن ننبه إلى حقيقة غاية في الأهمية وهى أن القلوب قد لا تدوم على حالة واحدة ، فقد يموت القلب الحي بأسباب وقد يحيا القلب الميت بأسباب كذلك ، كما قد يصح القلب المريض أيضاً بأسباب ، فالقلب يموت بالجهل المطلق ، ويمرض بنوع من الجهل ويحيا بالعلم واليقين ، وفي القرآن من البينات مايزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك ، وهو مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب " يأيها الذين أمنوا أستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " ( سورة الأنفال آية 24 ) والتوبة كذلك تصلح القلب ، فإذا تاب العبد من الذنب تخلص قوة القلب وإرادته للأعمال الصالحة ، فبالإيمان يزكو القلب وينمو فإنه يتضمن نفي ألوهية ماسوى الله الحق من القلب وإثبات إلهية الحق فيه ، وهو حقيقة لا إله إلا الله ، وهو أصل ما تزكوا به القلوب . أما مايفسده فهو الشبهات والشهوات ، فيوردها عليه ليقوى مرضه ، والشفاء هو القرآن ، وذكر الله " وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين " ( سورة الإسراء آية 82 ) " يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى " ( سورة يونس آية 57 ) وتحقيق التقوى " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " ( سورة البقرة آية 197) .
وغني عن البيان أن قلب الإنسان بأصل الفطرة صالح لقبول الهداية ، وإنما ينحرف عن الجادة بأتباع هواة والإقبال على الشهوات والمطلوب من العقلاء أن يحافظوا على هذا الأصل السوي : " فالقلب محتاج إلى مايحافظ عليه قوته وهو الإيمان وأوراد الطاعات ، وإلى حمية من المؤذي الضار وذلك بإجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات ، وإلى أستفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له وذلك بالتوبة النصوح وأستغفار غافر الخطيئات .
ومرض القلب يحتاج إلى حفظ الصحة أبتداء ، وإلى إعادتها دواماً ، والصحة تحفظ بالمثل والمرض يزول بالضد فصحة القلب تحفظ بأستعمال أمثالها أو هو مايقوى العلم والإيمان من الذكر والتفكر والعبادات المشروعة ، وتزول بالضد ، فتزال بالبينات وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق ، ومن لم يفعل مات قلبه ، فأصبح إنساناً بلا حواس يقظة ولا مشاعر حية ولا عواطف ندية ، ووجوده كعدمه " إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون "
( سورة الأنعام آية 36 ) .