User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد  السابع

 

آفاق مستقبلية في علاج أمراض القلب الخلقية
دكتور / عبدالله عبدالرحمن العبد القادر
أستشاري أمراض القلب لدى الأطفال
مستشفى الملك فهد – المنطقة الشرقية

 مقدمة
خطت الحضارة البشرية منذ نشأة الإنسان خطوات واسعة في مضمار العلم والمعرفة انعكست على خط الحياة في مختلف شؤونها . ولقد كانت الآفات والأوبئة تعصف ببني البشر أفراداً وجماعات ، وكان همّ القضاء عليها من أولويات الحضارات القديمة والحديثة ومما لاشك فيه بأن ما بلغه بني البشر خلال القرن الماضي من إنجازات علمية ضخمة تلت الثورة الصناعية تجاوزت بمسافات بعيدة ما بلغه الإنسان خلال عمره الطويل ، وكما أن لكل حدث عظيم نتاجه الفريد فأن التطور الهائل الذي حدث في الطب وبالذات في طب قلب الأطفال خلال العقدين الماضين أحدث ثورة من النجاحات في التعامل مع المرضى كما أنه أفرز طبقة من بني البشر كُتِبت – بإذن الله – لها الحياة في الوقت الذي تعرض أقرانهم في الأجيال الماضية للموت المبكر ، وهذه الطبقة الجديدة التي ظهرت على السطح هي أولئك الأطفال المولودين بأمراض قلب خلقية معقدة والذين تلقوا العناية الطبية الحديثة وبفضل الله تعالى بلغوا سن الرشد وهم في طور الإنجاب بإذن الله خلال العقد الحالي.
وسنتناول فيما يلي – بأسلوب مبسط – الاتجاهات الحديثة والمستقبلية للتفاعل مع أمراض القلب الخلقية عند المواليد والبالغين ممن تلقوا العلاج مبكراً . لاستشفاف أنوار الأفق الذي نرجو أن يكون قريباً لرفع المعاناة نهائياً أو تخفيفها بشكل كبير عن تلك القلوب المريضة.
 
أ – في مجال التشخيص:

إن تمكن المعالج من سبر أغوار التفاصيل الدقيقة لمرض لهو بداية ناجحة للتعامل مع ذلك المرض ومن ثم التغلب عليه ، ومما لا ريب فيه أن القفزات المتسارعة في مجال التشخيص التي بدأت في السبعينات من القرن الفائت كان لها الدور الأكبر – بعد الله – في الانتصارات الطبية التاريخية في المجالين التحفظي والجراحي لأمراض القلب الخلقية ومن الفتوح الجديدة التي بدت بوادر فوائدها الجمة في المجال التشخيص ما يلي :

1. تصوير الموجات فوق الصوتية للقلب رباعي الأبعاد
لقد أسهم التطور الكبير في مجال الحاسبات الآلية في إمكانية تكوين صورة للقلب ثلاثية ومتحركة كبعد رابع ، وبالرغم من بعض العوائق التقنية القائمة حالياً إلا أننا نستشف – بإذن الله – مستقبل مشرق لهذا المجال خلال العقد القادم ، ولقد بدأ استخدام هذه التقنية في مراكز محدودة على مستوى العالم . وتبدي الصور التي تم الحصول عليها القلب بوضوح شديد يفوق ما يراه الجراحون بالعين المجردة . أضف إلى ذلك أن القلب يعمل بكامل وظائفه ويضخ الدم بصورة طبيعية والمريض في وضعه الطبيعي من غير تخدير ولا ألم ولا جراحه و يعتبر مثل هذا الوضع مثالي لطبيب القلب كي يتمكن من تقويم قلب مريضه في الأوضاع الفسيولوجية . ونظراً للتعقيد الشديد لتركيب القلب في بعض أمراض القلب الخلقية فإن مثل هذه الأداة التقنية الرائعة ستمثل
- إن شاء الله – في القريب العاجل فتح جديد له ثماره الجمّة . شكل رقم ( 1 )

شكل ( 1 ) تصوير رباعي الأبعاد للقلب يبدي بوضوح شديد فتحة ما بين
البطنيين بتفاصيلها الدقيقة


ومن المؤشرات أو المبشرات المفيدة إمكانية استغلال التقنية الرقمية في تصوير القلب وكذلك دمج تصوير القلب بالموجات فوق الصوتية مع فحوص أخرى ثبت جدواها الفائقة في تصوير القلب مثل تقنية الرنين المغناطيسي على نفس المريض في نفس الوقت لمضاعفة الوضوح لأدق التفاصيل .
2. تصوير قلب الجنين داخل الرحم
لقد أصبح في السنوات القليلة الماضية بإمكان طبيب القلب المختص دراسة قلب الجنين في مراحل مبكرة من الحمل ، وتشخيص معظم أمراض القلب الخلقية .وبالرغم من محدودية الفائدة من هذه التقنية في الوقت الحاضر في مجتمعنا (حيث أن الإجهاض لمثل هذه الأسباب محرم شرعاً ) وبسبب صعوبة التدخل الوقتي إلا أن تمكن الباحثين والأطباء من التعديل في تشريح القلب ووظائفه دوائياً مع استمرار البحث العلمي سيجعل من هذه التقنية بداية لفتح جديد في العلاج المبكر لأمراض القلب الخلقية.

3. تصوير الموجات فوق الصوتية لتجويف الأوعية الدموية
نظراً لغموض صور الموجات الصوتية التي نحصل عليها من سطح الجسم تم تطوير قساطر مناسبة تحتوي في مقدمتها على مجسسات دقيقة تتميز بتردد عالي جداً
أمكن بواسطتها رؤية تفاصيل تجويف الوعاء الدموي . ومن المشاكل في تطبيق هذه التقنية صعوبة الحصول على مقاسات دقيقة في المنحنيات الوعائية أو في الرقع الجراحية أو التمزقات الناتجة عن نفخ البالون الوعائي ، وكذلك التكلفة الباهظة حيث أن القسطرة ترمي بعد الاستخدام . ونأمل أن يتمكن المجتمع الطبي من الحصول على أجيال من القساطر تتفوق على المصاعب السابقة خلال العقد القادم . ومن المتوقع أن يكون للقساطر المطورة دور فعال وحيوي في المراقبة الدقيقة لإجراءات القسطرة التدخلية وكذلك متابعة نتائجها .


4. طب القلب النووي
تمكن الباحثون من استغلال بعض العناصر النووية المماثلة لبعض عناصر الجسم الضرورية في عكس صورة دقيقة جداً عن وظائف القلب والتروية الدموية لعضلته .ويتم ذلك عن طريق حقن المادة المشعة في الجسم ومن ثم تستخدم كاميرة جاما في التقاط لأشعة المنطلقة من القلب . وباستغلال الثورة المعلوماتية في الحاسب الآلي صار بالإمكان الحصول على نتائج باهرة ساعدت وستساعد في إيجاد الحلول المثلى والمتابعة الدقيقة لأمراض القلب المختلفة ( شكل ( 2 ) ) ، وبسبب إجراء عمليات معقدة لأمراض القلب الخلقية تتضمن التعامل مع الشرايين التاجية مثل تعديل انقلاب الشرايين الكبرى
أصبحت متابعة مثل هذه الجراحات الجديدة تتم بدقة فائقة عن ذي قبل . ومن الاستخدامات الحالية لطب القلب النووي التي بدأ تطبيقها وهي في طور التطور السريع قياس تدفق الدم بين الدورتين الكبرى والرئوية وقياس وظائف البطينات وتشخيص احتشاء العضلة القلبية الحديث والالتهابات
المختلفة لعضلة القلب وبالرغم من ححداثة هذه التقنيات ألا أنا نتوقع لها مردود ضخم في المستقبل القريب على تشخيص ومتابعة أمراض القلب الخلقية .


شكل ( 2 ) صورة قياس للتروية الدموية بالثاليوم – 201 تحت الجهد لمريض
يعاني من شذوذ في منشأ الشريان التاجي الأيسر من الشريان الرئوي
قبل ( A ) وبعد ( B ) التدخل الجراحي


5. الرنين المغناطيسي النووي المعالج ببرامج الحاسوب وتقنية التصوير
بقذف الجسيمات المشعة
يعتبر استخدام الرنين المغناطيسي النووي في مجال أمراض القلب والأوعية الدموية حديثاً جداً . وبالرغم من ذلك فالنتائج الأولى مشجعة إلى درجة بعيدة ، وبالرغم من بعض الصعوبات التقنية لكون القلب عضو متحرك إلا أن إقحام علوم الكمبيوتر في تجميع الأبعاد وتكوين المجسمات وربط الأحداث مع بعضها بدقة زمنية متناهية أخرج في النهاية صور للقلب والأوعية الدموية الكبرى مذهلة لم يكن أفضل المتفائلين .بتوقعها وهي أشبه ما تكون بما نراه في المشرحة حيث يمكن اختيار مقاطع مختلفة للقلب ولكن في الإنسان الحي ودون ألم أو قطرة دم ، ولقد استحدثت عدة تقنيات لرفع درجة الإيضاح في الأبعاد الثلاثة وذلك باستخدام برامج كمبيوتر معقدة .


شكل ( 3 ) توضح بجلاء شديد تضيق الشريان الأورطي النازل

وبالرغم من أن هذه التقنيات الفائقة في سنيّها الأولى ألا إن النتائج الباهرة التي جنيت تبشر بمستقبل مشرق كل الإشراق قد يتعدى ما كان أسلافنا يحلمون به .
ومن آخر الاكتشافات المبهرة في هذا المجال هو الرنين المغناطيسي القلبي المتحرك
والذي تم إضافة تقنيات مناسبة مما نتج عنه إحداث صور ذات تباعد زمني قصير جداًَ يصل إلى 10 من الألف من الثانية .
ويتجه الباحثون حالياً لاستغلال تقنية الرنين المغناطيسي النووي في قياس النشاط الأيضي ( الهدم والبناء ) لعضلة القلب بإضافة تقنيات أخرى
يأمل من خلال السنوات القادمة أن تكون أداة من أدوات العلم الحديث لدراسة الخلية القلبية ونشاطها في الصحة والمرض.
أما عن التصوير بقذف الجسيمات المشعة فيعتمد على فكرة إطلاق
( إلكترون موجب ) من مادة مشعة تسافر لمسافة قصيرة جداً ثم تصطدم في الأنسجة بإلكترون وتوابع هذا الاصطدام من فناء الكتلة وتحولها إلى طاقة تستخدم بمعالجة كمبيوترية لعكس النشاط البيولوجي ( الحيوي ) لخلايا القلب . وتعتبر هذه التقنية ذات استخدام محدود جداً في قلب الأطفال حالياً ، وإن كنا نستشف مستقبل مشرق لها في اتجاهات التشخيص ومتابعة العلاج لعيوب نقص التروية الدموية واختلاطات الأيض القلبية0 كما أن دور هذه التقنية في تقويم الأدوية الجديدة عالي الدقة ومن ثم إقرارها سيكون أحد حقول البحث العلمي النشط في المستقبل القريب .

6. نظام الخرائط الإلكتروني التشريحي ثلاثي الأبعاد
هو تقنية عالية التعقيد بدأ تطبيقها على حالات محدودة . وبواسطتها يمكن تشخيص الوصلات الكهربائية الزائدة ذات المسار المعقد داخل القلب شكل ( 4 ) ومن ثم إطلاق موجات رادارية مترددة لبتر الوصلة الزائدة بالحرق كما سنوضح لاحقاً . ويبدو جلياً بأن مثل هذه التقنية الفريدة سيكون لها أثر كبير في دقة التشخيص ومن ثم العلاج الموجه بكل دقة لمثل هذه الحالات والتي كانت إلى عهد قريب تعالج بأكوام من الأدوية الضارة المحدودة الفائدة .

شكل ( 4 ) خريطة إلكترونية تشريحية ثلاثية الأبعاد توضح وجود وصلة زائدة شاذة بين بروز الأذين الأيمن والبطين الأيمن

ب- في المجال العلاجي :
سيأخذ التقدم العلمي في مجال العلاج لأمراض القلب الخلقية خلال العقد القادم
- بإذن الله – منحنيات جبارة تختلف عن ما تم خلال العقدين الماضيين ، وهذه النظرة المستقبلية المشرقة بالأمل لم تأتي من فراغ ، فالثورات العلمية في مجالات التشخيص والتي وصلت إلى قياس نشاط الخلية القلبية – كما ذكرنا سابقاً – بل إلى الجين الحامل لجميع شفرات بني البشر ، ستنعكس إيجابياً على الخطط العلاجية التداخلية وغير التداخلية لأمراض القلب الخلقية
1/ المجال العلاجي الدوائي
حيث أن الحاجة الماسة لعلاج أمراض القلب الخلقية قد تظهر مبكراً في المرحلة الجينية فإن أدوات التشخيص الحديثة امكنت الأطباء من تقديم الأدوية للجنين في حالات معينة ( مثل اضطراب النبض وهبوط القلب الاحتقاني ) من خلال الوريد السري للجنين أو إلى حقن عضلة الجنين مباشرة ومراقبة النتائج بدقة. وحيث أن ما يدعى بوحدة ( الأم المشيمة – الجنين ) في تغيرات مستمرة خلال فترة الحمل فإن استخلاص خصائص هذه التغيرات خلال السنين القادمة سيكون له المردود الأفضل على الجنين في المستقبل إن شاء الله .
أما فيما يتعلق بفترة ما بعد الولادة فبالرغم من السهولة النسبية في تقديم الدواء والإجراء الجراحي إلا أن العلم ما يزال قاصراً في تفسير ظواهر مرضية وفسيولوجية كثيرة مما يؤدي إلى إعطاء أنواع من العلاج وإن سجلت نجاحات ولكن على حساب أثار جانبية مؤذية . وعلى سبيل المثال فإن الأدوية المسيَّلة للدم والتي يحتاجها بعض مرضى القلب الخلقي ( كالأطفال حاملي الصمامات الصناعية ) سيستفيدون من تتابع البحث في ميكانيكية التوازن بين تجلط وسيولة الدم لإنتاج أدوية أكثر فعالية وأقل خطراً . وبالفعل يبدو في الأفق الآن بوادر أدوية جديدة تحت التجربة . ومن المأمول أن يكون لعقار
الهبارين منخفض الوزن الجزيئي دور فعال في المستقبل . كما أن عقار
هيرودين يبدو من الأدوية الواعدة حيث تختلف ميكانيكية عمله عن كل من الهبارين والوارفارين.أما العقارات المضادة للصفائح فيبدو عقار جليكوبروتين 2/ 3 المثبط لمستقبلات الصفائح الدموية . من الأدوية التي يعول عليها آمال كبيرة في المستقبل القريب إن شاء الله .
ومن المعلوم أن من الفتوح الكبرى في عالم الطب هو إنجاز الجراح كريستيان بارنارد عام 1967 م بإجراء أول عملية نقل قلب للإنسان ومنذ ذلك الحين والبحث يتتابع للرفع من أرقام الباقيين على قيد الحياة لأطول مدة ممكنة وبأقل معاناة يومية.ولقد أثبتت دراسات كثيرة في المجال أن أكبر مسببات الوفاة تنتج عن الالتهابات ورفض القلب الجديد ولقد أسهمت الخيارات المطورة لمحاربة هذين السببين من مضادات حيوية وأدوية كابحة للمناعة في نتائج طبية . ومن المأمول في المستقبل القريب تطوير عقاقير فريدة لكبح المناعة بآثار جانبية أقل ومفعول أقوى ستسهم في عمر أطول وحياة أفضل – بإذن الله تعالى – لمستقبل هذه القلوب .

2 / المجال العلاجي التدخلي بالقسطرة :
لقد بدأ الطبيب ويليام راشكند حقبة تاريخية جديدة حين قام بإجراء أول عملية قلبية ( فتحة ما بين الأذينين ) بواسطة القسطرة ومن دون جراحة في الستينات من القرن الماضي وتلى ذلك نجاحات كبيرة آخرها عمليات قفل الفتحات الأذينية والبطينية ( وإن كانت في طور التجربة إلى الآن ). ونستشرق في الأفق هذه الأيام أدوات مبتكرة بنتائج أفضل لقفل الفتحات الأذينية والبطينية ومدعمات الأوعية الدموية وقساطر خاصة لتضييق الشريان الرئوي داخلياً ( بدلاً من الرباط الجراحي الخارجي ) في حالات التروية الدموية الزائدة .
ومن التقنيات الرائدة المرجو قطف ثمارها في العقد القادم ( والتي بدأ تطبيقها الفعلي) إجراء عمليات فتح الأوعية الدموية المسدودة بواسطة إشعاعات الليزر وإشعاعات الرادار المترددة أو قفلها عند الحاجة .
كما ستشهد السنوات القادمة- بإذن الله- تثبيت أقدام بعض الإجراءات المستخدمة حالياً وربما منع أخرى نتيجة تراكم الخبرة وبروز النتائج بصورة أفضل من منافع أو محاذير. وكنتاج طبيعي للتطور الهائل في الأداة التشخيصيه اللاقسطرية سيستمر اضمحلال القسطرات التشخيصيه في مقابل ازدياد مضطرد في القسطرة العلاجية .

3/ علاج اضطرابات النبض باستخدام الموجات الراداريه
لقد أرقت اضطرابات النبض مضجع الأطباء لقرون عديدة ، وبالرغم من مجموعات العقاقير الكثيرة المستخدمة لعلاج اضطرابات النبض إلا أن الاستجابة الجزئية واحتمال رجوع الأعراض إضافة إلى الآثار الجانبية الكثيرة التي تمثل أمراضاً بحد ذاتها أدت إلى حالة من الحذر في الوسط الطبي المختص بـهذه الأمور ، وفي وسط هذا الركود النسبي نشر الطبيب هوانج وزملائه قبل سنوات قليلة ( عام 1987 م ) خيار بديل قلب الموازين رأساً على عقب وغير التعامل مع اضطرابات النبض المختلفة ألا وهو العلاج بالموجات الرادارية المترددة .وتتمثل هذه التقنية بجهاز مولد للموجات الرادارية المترددة 100- 750 كيلو هيرتز ) بصورة متواصلة موجية وغير معدلة ، وهذا الجهاز يتصل بقطبين . أما القطب النشط فهو الموجود في مقدمة القسطرة الموجودة داخل القلب ، وأما القطب الأرضي فهو على جسم المريض ( في العادة على فخذ الطفل ) وعند تعيين الوصلات المسببة لتسارع النبض بدقة يتم إطلاق الموجات الرادارية المترددة مما ينتج عنها حرق حراري في النسيج المطلوب وخروج الماء من خلايا النسيج الذي يساهم في اندمال
الحرق والناتج هو حرق موضعي محدد الجوانب شكل (5)

وبالرغم من النجاحات الباهرة التي تحققت في هذا المجال في وقت قصير جداً ألا أننا نتوقع المزيد في العقد القادم . كما أن تطبيق مثل هذه التقنية في الأطفال ذوي العيوب القلبية الخلقية يدعونا إلى عدم استعجال النتائج . ومن أهم ما ننتظر نتائجه حالياً هو أثر النمو العام لأعضاء الطفل ومنها القلب والحروق الموضعية العلاجية على أداء القلب حيث ثبت بالمتابعة قصيرة المدى أن الحروق تزداد حجماً مع نمو الجسم ( ولقد ثبت أن نمو الحرق في البطينات أكثر منه في الأذينات ) .كما أن بروز طبقة جديدة من مرضى القلب الخلقي والذين تلقوا العلاج المبكر بمشاكل نبض يستدعي بعض الوقت والتجربة مع عدد أكبر من المرضى قبل الخروج بنتائج نهائية (مثل الرجفان البطيني ما بعد إصلاح رباعية فالوت ) ومن المنتظر أن تتضح الرؤية أكثر وتعم الفائدة بصورة أشمل مع تراكم الخبرات الدولية الناتجة عن التطبيق والبحث المتواصلين في هذا الحقل .
أما عن العلاج الجراحي لاضطرابات النبض فلقد قلت وستقل الحاجة له مع التطور المتسارع في عالم العلاج بالقسطرة مع الموجات الرادارية المترددة .

4/ منظمات النبض والصادمات الكهربية
كثمرة متوقعة للتطور التقني المبهر الذي تزامن معه معرفة أعمق بميكانيكية اضطرابات النبض من تباطئ شديد إلى تسارع كبير تمكن العلماء من صناعة منظمات نبض صغيرة يمكن استخدامها لكل الأوزان تقريباً . والأجهزة المتوفرة حالياً قابلة للعمل كثنائي الحجرة وعن طريق دائرة إلكترونية معقدة تستطيع التعامل مع أكثر من نوع من الاضطرابات في نفس الوقت وبكفاءة عالية تزداد مع كل جيل جديد لهذه الأجهزة . ومن المتوقع في العقد القادم أن يستمر التطور في إنقاص حجم الجهاز وزيادة كفاءته خصوصاً فيما يتعلق بالمجسات الحسية والتي تستخدم عوامل فسيولوجية ( كالتنفس والحرارة ) وغير فسيولوجية ( كالتذبذب مع المشي ) كمعيار لزيادة النبض وإنقاصه و كما أننا نتوقع استمرار التطور المضطرد في صناعة لأفضل والأنسب من الأسلاك وعوازلها بمواد أكثر كفاءة لمنع تسرب التيار إلى أنسجة الجسم . وكذلك استحداث مسامير مثبتة بأقل قدر من إثارة الأنسجة المحيطة لمنع تكون النسيج الليفي الضار ( تستخدم الآن مسامير مطلقة للكورتيزون لكبح تكوين الالتهاب ومن ثَم النسيج الليفي )
أما فيما يتعلق بالبطارية فمن المأمول أن يستمر اكتشاف مواد ذات حياة أطول وأكفأ ( تستخدم الآن مادتي الليثيوم والأيوداين ويمكن أن يصل عمر البطارية إلى 10 سنوات أما فيما يتعلق بالصادمات الكهربائية فهي واحدة من التقنيات الحديثة التي أحدثت فتحاً عظيماً لبني البشر فلأول مرة في التاريخ يعالج الأشخاص المصابين باضطرابات قاتلة ( مثل الرجفان البطيني ما بعد إصلاح رباعية فالوت ) وذلك في خلال ثوان معدودة لا تتعدى 20-30 ثانية عن طريق جهاز مزروع في الجسم يشخص ويبرمج وفي الحال يطلق صدمة كهربائية ناجحة بإذن الله ( في أكثر من 90 في المائة من الحالات ) ولقد كان هؤلاء المرضى في الماضي يموتون بسبب التأخر الكبير في تقديم العلاج لهم .
ونظراً لحاجة بعض المرضى لصادمات كهربائية إضافية إلى منظمات النبض
( وخصوصاً اضطرابات نبض البطين ) تدعم بعض منظمات النبض بصادمات كهربية في جهاز واحد ، ومثل هذا الوضع جعل من الجهاز أكبر حجماً كما أن الحاجة المتقطعة لصدمة كهربائية كبيرة تستهلك عمر البطارية سريعاً مما يقصر من عمرها . ومن المنتظر تطور تقنيات أفضل لتصغير حجم الجهاز وكذلك التحسين من كيميائية البطارية لإعطاء صدمة كهربائية كبيرة وفورية لعدد أكبر من المرات . كما أنه من المنتظر ومع تراكم الخبرات استفادة مجموعات من المرضى الأخر من الخدمات الإنقاذية الفورية للصادمات الكهربائية ممن لم يتم الاتفاق الكامل على حاجتهم الماسة لهذه الأجهزة ( مثل مرضى الاغماءات العصبية الناتجة من برودة النبض ) كما أننا نتوقع تزايد مضطرد لاستخدام هذه الأجهزة لمرضى القلب الخلقي الذين عولجوا جراحياً مع نتائج غير مرضية ( كما بعد إصلاح رباعية فالوت وما بعد جراحة فونتان ) وذلك مع تقدمهم في العمر ، ومن دواعي التفاؤل في هذا المجال النتائج الباهرة التي تم الحصول عليها على مدى المتابعة القصيرة لبعض أولئك المرضى مما يبشر بمستقبل أفضل إن شاء الله .

5/ العلاج الجيني :
إن الإفصاح عن الأطلس الجيني لبني البشر الذي تم مؤخراً يعتبر بداية لحقبة زمنية جديدة ستغير من مبادئ وأساسيات الطب العلاجي الذي جرى عليه الأطباء على مر العصور ، ومن المعلوم أن الإجراء العلاجي للأمراض الجينية حالياً يتم عن طريق عقاقير وأغذية معينة لعلاج توابع العطب الجيني وهي في معظمها غير مجدية . وما نطمح إليه جميعاً هو القدرة على التعامل مع الجين المريض بتقديم مادة جينية خارجية حاملة لشفرة إنتاج بروتين هو في الأصل ناقص أو غير فعّالة أو لإبدال
منشطات في الأصل ناقصة أو غير فعالية أو لإبدال وحدات جينية منظمة وهذا ما يعرف بالعلاج الجيني .
وبالرغم من أن هذه الطفرة العلمية الرائعة لا تزال في مرحلة المهاد إلا أن أول بوادر النجاح بدت بإصلاح خلايا بشرية مزروعة من عيب جيني جنسي متنحي . ومن المتفق عليه بأن العلاج الجيني حالياً يمكن تطبيقه فقط على الأمراض الوراثية المتنحية جسدية أو جنسية وهو غير مجدي للصفات السائدة ،  وتجدر الإشارة إلى أن العلاج الجيني الجسدي لا يغير من فرصة نقل المرض للأبناء .

وحيث أن متلازمة داون تعتبر من أهم الأسباب المعروفة لأمراض القلب الخلقية فإن البحث المستفيض لكروموسوم 21 أدى إلى اكتشاف الخريطة الكروموسومية الحرجة الحاملة لصفات بارزة في المرض مثل أمراض القلب الخلقية ( 21q 22.2 – 22.3 ) والتخلف العقلي والخطوة الحاسمة في هذا المجال هي التعرف على جينات هذه المواقع الكروموسومية ومن ثم التعامل معها والتخلص من العاهات الناتجة عنها . وبالرغم من الحماس العلمي المتزايد في هذا المضمار ألا أنه توجد معوقات حقيقية للعلاج الجيني نأمل أن يتم التغلب عليها في أواخر العقد القادم ونلخصها فيما يلي :
1. عدم التمكن من عزل الجين الطبيعي الذي يسبب تغير تركيبته مرض ما لجميع أمراض القلب الجينية .
2. بالرغم من التطور في عملية إقحام ( دي . إن . أ ) داخل كروموسوم آخر لغرض تكوين نسخ كبيرة من الأصل يمكن استخدامها كعلاج ألا أن هذه العملية لا تزال تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة .
3. هذه النسخ الكبيرة التي يتم الحصول عليها يجب حقنها في الجين البشري للحصول على علاج جيني كما هو مأمول ألا أن الكم الأكبر من التجارب الحالية تم على خلايا بشرية مزروعة ( خارج الجسم ) .
4. المادة الجينية المعدلة تحتاج إلى نوع من التوجيه إلى نسيج معين مريض لتعديل عيوبه كما أن هذه المادة الجينية يجب توفرها بصيغة خاصة تسمح لها بالإفصاح عن شفرتها الوراثية المعدلة في النسيج المستهدف .

وقبل أن نختم الحديث عن العلاج الجيني نود أن نؤكد بأن عدد من الأبحاث في مجال جينات القلب أثبتت أن الإفصاح الجيني قد يتغير مع الحالة المرضية مثل ما يحدث عند هبوط القلب الاحتقاني وتضخم البطينات حيث يتحول الإفصاح الجيني عن مادة مايوسين من نوع ( أ ) الأنشط إلى نـوع ( ب ) البطيء مع نقص في عناصر الطاقة الأساسية والنشاط الانقباضي . وتعتبر هذه المنطقة من البحث محل نشاط علمي بارز هذه الأيام على أمل أن نحصل على علاج جذري في السنوات القادمة لهبوط القلب الاحتقانيي وأعراضه القاتلة .

6/ العلاج الجراحي
انعكست آثار التطور الهائل في الأداة التشخيصية لأمراض القلب الخلقية كما أسلفنا إضافة إلى تقدم الفكر الطبي فيما يتعلق بالميكانيكية الوظيفية المرضية للعيوب القلبية الخلقية المختلفة مع التقنيات الجراحية الجديدة التي برزت نتيجة تراكم الخبرات والإجراءات الفريدة الناجحة إلى تغير كبير في النتاج الجراحي للعطب القلبي الخلقي . وبالرغم من أن الساحة الجراحية خلال الخمسة عشر سنة الماضية قد شهدت نجاحات ضخمة ألا أنه مازالت هناك مصاعب تتعلق خصوصاً بالأمراض القلبية المعقدة وأمراض عضلات القلب وخصوصاً ارتخاء عضلة القلب الاحتقاني وفي معظم الأحيان يتطلب الوضع في الحالات المتقدمة زراعة قلب جديد .
وتمثل مشكلة عدم توفر المتبرعين مشكلة عالمية أدت إلى التفكير في البديل ، ومن البدائل قصيرة الأمد مضخة البالون الأورطية وأكسدة الدم الغشائية الخارجية ولكنها بدائل فعالة لفترة وجيزة ، وفي خلال السنوات القليلة الماضية تحققت نجاحات متزايدة في مجال توفير الدعم للدورة الدموية عن طريق وحدة ضخ خارجية مدعمة للبطين الأيسر والأيمن في وقت واحد .

وفي الفترة الأخيرة تم تطوير مضخة قلبية تتميز بالكفاءة وطول فترة الأداء إضافة إلى حجمها الصغير جداً مع قدرة ضخ تعادل ثلاثة لترات لكل دقيقة


ومن المأمول خلال العقد القادم تطور التقنيات أكثر لتجاوز مشكلة الدعم الدوري القصير نسبياً ، وحتى هذه اللحظة تعتبر مثل هذه التقنيات العلاجية مجرد جسر إلى حين الحصول على قلب متبرع .
أما من ناحية الإجراء الجراحي فلقد تقدم جراح قلب يدعى باتيستا مؤخراً بفكرة جريئة تتلخص في أن مرضى ارتخاء عضلة القلب الاحتقافي يعانون من كبر مقاسات القلب الانقباضية والانبساطية وببساطة يمكن تحسين وظائف القلب بتغيير تلك المقاسات عن طريق قص جزء من البطين الأيسر
وتشير النتائج المبدئية ( باتصال شخصي مع الدكتور باتيستا ) إلى مستقبل نرجو أن يكون مليء بالأمل لتلك الفئة من المرضى . كما بدأ جراحون آخرون في مناطق أخرى من العالم بتطبيق هذا الإجراء الجراحي الجريء وخرجوا بنتائج مشجعة والمرجو أن تصل هذه الجراحة مرحلة النضوج خلال السنوات القليلة القادمة .

7/ أشراقات وآمال أخرى :
من مناطق البحث العلمي الجارية هذه الأيام والتي تحمل آمال مشرقة هي دراسة الموت المنظم لخلايا القلب والتي يرجى من فهم ميكانيكيتها توفير خيارات علاجية فريدة مثل العلاج الجيني للتأثير على إعادة تشكيل القلب والأوعية الدموية . ويبدو واضحاً أن الهدف الحالي هو انزيمات الكاسبيز (ومضادات الأبوبتوسس وهي مناطق التنظيم المركزية لعملية الموت المنظم للخلايا في معظم الحالات .
ومن الإشراقات الجديدة في علم كهرباء القلب الاكتشاف المبهر للخلايا الميمية القابعة في الطبقات العميقة من جدار البطين والتي ثبت بالدليل القاطع تميزها الكهربائي الكامل عن باقي خلايا الجدار البطيني بزيادة شتات إعادة الاستقطاب خلال الجداري مما يعتقد أنه سبباً في زيادة كفاءة انقباض عضلة القلب في الصحة وسبباً لتعريض القلب لاضطرابات قاتلة في بعض الحالات المرضية ولاشك بأن زيادة البحث في هذه الخلايا الجديدة وتداخلاتها مع تغيرات القنوات
الأيونية سيكون له الأثر الفعال في فهم وعلاج اضطرابات النبض القاتلة وغيرها.
أما على مستوى أمراض الشرايين التاجية فلقد أصبح مجتمع الأطفال يحتل فراغ متزايد من المصابين لهذا المرض نظراً لعوامل عديدة منها دخول الأشخاص ما بعد الجراحة القلبية للأمراض الخلقية مرحلة منتصف العمر وبروز أمراض الشرايين التاجية كجزء من معاناتهم وكذلك لتعرض بعضهم للإجراء الجراحي للشرايين التاجية كجزء من إصلاح مرض القلب الخلقي في مرحلة الطفولة . ومن المنتظر في السنوات القادمة أن يتعمق الأطباء بصورة أكبر في فهم ميكانيكية التجلط ودور العدوى والالتهابات لإنجاز خطوات أنجح ليس في العلاج فقط بل وفي الحماية من المرض. ومن النجاحات المرجوة في المستقبل والتي ستحمل جذرية إسهام العلاج الجيني في علاج اضطرابات الكوليسترول وكبح دورها الرئيسي في أمراض تصلب الشرايين
.كذلك من المأمول أن يكون للعلاج الجيني دور في التأثير على إنتاج أكسيد النترات الأحادي وبروتينيات التجلط المختلفة . ويتحدث المجتمع الطبي هذه الأيام عن قرب إطلاق الجينات المكبوحة والتي تمنع من تكاثر الخلية القلبية وتعويض الميت منها في حالات احتشاء العضلة القلبية .
وبعد :
كانت هذه نظرة مستقبلية لعلاج أمراض القلب الخلقية ، وكما قال المصطفى
( ما أنزل الله من داء إلا وجعل له دواء ) والدعوة السماوية من الخالق عز وجل للتفكر والتأمل والبحث والاكتشاف في النفس البشرية خير محفز لبني البشر للعطاء أكثر وأكثر، قال الحق تبارك وتعالى { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.