|
العوامل النفسية وانعكاساتها السيكوسوماتية
( النفسية – الجسدية ) على صعيد القلب والأوعية الدموية
دكتورة / نادرة رشيد عموري
دنتوراه علم النفس العيادي
مركز الطب النفسي السلوكي - الرياض
في الواقع أصبحت مشكلة الاضطرابات
السيكوسوماتية تشكل خطورة على مستوى التوافق والصحة النفسية – الجسدية
لأفراد المجتمع ، بعد أن أصبح التوتر النفسي والأعصاب المشدودة سمة بارزة
من سمات العصر الحالي بتغيراته السريعة المتلاحقة ، وهذا ما نلاحظه بتزايد
حالات الخوف والقلق والشعور بالظلم والقسوة والتنافس ... الخ .
وما توصلت إليه الأبحاث الحديثة في العلوم النفسية والبيولوجية زاد من
المعلومات الإكلينيكية عن كيفية تأثير الانفعالات والتوترات النفسية على
صعيد القلب والأوعية الدموية . لقد كان القدماء يعتقدون أن القلب هو مركز
العواطف والانفعالات ، كما أن العلماء المحدثون يرون أن القلب والأوعية
الدموية تستجيب بوضوح إلى الحالات النفسية وهذه الاستجابات قد تظهر على شكل
اضطرابات خفيفة ، أو اضطرابات حادة تصيب القلب والأوعية الدموية .
فهناك دراسات بينت أن المصابين بضعف النبضات القلبية أو المصابين بالحبسة
القلبية أو الإحتشاء القلبي يعانون بشدة من أعراض الوساوس القهرية ، كما أن
هذه الدراسات أكدت على أن إصابات القلب وجهاز الدوران الوظيفية ترجع إلى
عاملين أساسين هما سمات الشخصية الوسواسية القهرية ، وعامل الإجهاد النفسي
والصدمات النفسية الحادة . فالانفعالات عامة والانفعالات الحادة خاصة ،
وكذلك التوترات الجنسية وحالات الرعب ، والخوف والقلق تؤدي كلها إلى تغيرات
واضحة في الدورة الدموية وفي وظيفة القلب ، ويكون ذلك بواسطة الجهاز العصبي
السمبثاوي الذي يزيد من ضربات القلب ومن قوته ، ويؤدي إلى انقباض عضلات
الأوعية الدموية ، أو ارتفاع ضغط الدم فيـها ، ( كما في حالات انقباض عضلات
الأوعية الدموية لجهاز التناسل مما يسبب الضعف الجنسي ) ، وكذلك بواسطة
الجهاز العصبي الباراسمبثاوي ( الذي يقلل من سرعة دقات القلب ويؤدي إلى
ارتخاء الأوعية الدموية وتوسيعها ) وكل هذه التغيرات الفسيولوجية تكون
مكافئة لحالات القلق والوجدان وعناصر الكبت المختلفة ، فأي نوع من
الانفعالات اللاشعورية يمكن أن يعبر عن نفسه في إسراع النبض ، واتضح من
خلال الأبحاث أن ثمة شخصيات معينة مهيأة لاستحداث هذه التغيرات في النبض ،
حيث استطاع العالمين " روزنمان وفريدمان " أثناء دراستهما عن أنماط الشخصية
السلوكية وأكثرها استعمالاً في مجال السيكوسوماتيك ، وهذان النمطان هما
النمط السلوكي أ ، ب والشخص متبع نمط أ السلوكي يتميز بأنه منظم ومرتب
يتفاعل مع محيطه بشكل جيد متحكم في ذاته واثق منها ومن كفاءته ، وهو مستعد
لأن يعمل وحيداً إذا اقتضت الظروف ذلك ، فهو لا يتراجع عن أهدافه ، عدائي
يمارس عدائيته في مختلف المجالات ، وتتراوح عدائيته بين الحادة والمريضة ،
وهذه العدائية هي المسؤولة عن رغبته الشديدة بالمنافسة ، وصاحب طموح متعدد
وغير محدود الأهداف مما يجعله دائماً متشنجاً لا يقدر على الاسترخاء ، فهو
إذا ما حقق هدفاً ما فانه لا يترك لنفسه فرصة للراحة ، وإنما تراه يخلق
هدفاً جديداً ويبدأ بالركض نحوه ، كما أنه يدرك مفهوم الوقت ويعي مروره ،
ولذلك فهو لا يريد مرور الزمن دون أن يحقق شيئاً ، وكذلك نراه نافذ الصبر
ومستعجلاً لتحقيق طموحاته ، ويظهر الوداعه أمام العراقيل التي تعترضه ولكنه
لا يتراجع ويرفض الهزيمة و لا يعترف بها ويقوم بمحاولة جديدة ، ويهمل تعبه
ويقلل من شأن آلامه ويرفض فكرة إصابته بالمرض " خاصة مرض القلب " فإذا ما
حذره الآخرون سخر منهم في أعماقه ، كما أن اعتماده الزائد على نفسه
وعدائيته يجعلانه ميالاً للسيطرة ، وخاصة إذا كانت هذه السيطرة تساعد على
التخلص من العقبات التي يتعرض لها ، أما نمط ب السلوكي فهو عكس ذلك تماماً
وبالتالي فهو غير مهيأ للإصابة بهذا النوع من الاضطرابات .
ومن هذا المنطلق فان حالات اضطرابات القلب والأوعية الدموية تتصف بوجود
توتر غريزي لا شعوري قوامه استعداد عام للعدوانية ، وفي نفس الوقت رغبة
سلبية في التخلص من هذا العدوان ( صراع إقدام وإحجام لا شعوري ) ، وقمع (
كبت ) شديد للمشاعر والانفعالات ، وهذا التوتر الداخلي المحتبس يبدو أنه
أحد الأسباب المهمة المولدة للاضطراب في حــالة ارتفـاع ضغـط الدم (
الجوهري ) ، وطبيعي أن هذا التوتر الداخلي يعمل بمساعدة الغدد الصماء التي
تضطرب بسبب ضغط الصراعات اللاشعورية والمكبوتات ، ويتم هذا العمل عبر حركة
الأوعية الدموية والقلب والكليتين ، لهذا تزداد أعراض نوبات القلب وضغط
الدم ... من ناحية أخرى يمكن القول أن حركة الأوعية الدموية تساعد في عملية
الإفراغ النفسي في حالة عدم القدرة على الإفراغ العضلي ، خاصة إذا أخذ بعين
الاعتبار أن حركة الأوعية الدموية المغذية لعضلة القلب ترتبط وتؤثر بالنشاط
العضلي ( تشنج – استرخاء ) ، لهذا فإن الحركة الداخلية للأوعية في مواقف
الكبت والإحباط تؤثر في النشاط الوظيفي العضلي للقلب وللأوعية الدموية مما
يؤدي إلى اضطرابها .
ولوقت قصير مضى كان العلماء يقصرون انعكاس هذه الاضطرابات على أمراض القلب
على مجموعة من الأعراض المميزة باضطرابات القلب الوظيفية دون أية إصابة
عضوية تلحق بالقلب ، إلا أن الأبحاث الطبية الحديثة أثبتت بما لا يدع
مجالاً للشك ، دور العامل النفسي في إصابات القلب العضوية ، ومما يؤكد ذلك
الاتفاق الذي توصل إليه العلماء في المؤتمر العالمي لأمراض القلب في باريس
إلى أن الإرهاق النفسي يؤدي إلى إفرازات عصبية هرمونية ، من شأنها أن تحدث
اضطرابات وظيفية على صعيد القلب ، إلا أن هذه الإفرازات يمكن أن تؤدي في
ظروف معينة إلى إصابات عضوية ، كما أن الإثارة المزمنة للجهاز العصبي نتيجة
الإرهاق النفسي المزمن يؤدي إلى استهلاك الجسم لهرمونات معينة ، ونقص هذه
الهرمونات يساعد على زيادة نسبة الكوليسترول والدهون الغذائية في الجسم .
كما أن العوامل النفسية على أنواعها والعوامل الثقافية والاجتماعية كالعمل
الزائد والتوتر الحياتي والافتقار للدعم الاجتماعي وعدم الرضا عن العمل
تؤدي إلى إفراز الأدرينالين أو النور أدرينالين ، وهذه المواد عبارة عن
ناقلات عصبية من شأنها أن تؤدي إلى حدوث اضطرابات وظيفية متنوعة ، من تقلص
الشرايين إلى ارتفاع ضغط الدم إلى تسارع نبض القلب ... وهذا يؤكد العلاقة
الواضحة بين العوامل النفسية وتأثيرها النفسي الجسدي على صعيد القلب
والأوعية الدموية .
|