User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد الثامن عشر

موت الفجأة وكهرباء القلب -  الجزء الأول
د/ عبدالله عبدالرحمن العبدالقادر
استشاري أمراض القلب الخلقية واضطرابات النبض
مدير مستشفى الملك فهد بالهفوف


مقدمة
خلق المولى عز وجل الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملا ، وهيأ الخالق تبارك وتعالى خلافته في الأرض لبني آدم فجعلها حلوة نضرة مليئة بالملذات والشهوات لكنني أذكر بنو البشر على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم بأن الموت هو النهاية الحتمية لجميع المخلوقات بما فيهم البشر . وهي نهاية مؤلمة وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم خير وصف في حديثة للتذكير وللعظة والعبرة حيث قال صلى الله عليه وسلم ( أكثروا من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات ) . على أن أمر الموت يكون أقسى ما يكون عند حدوثه فجأة دون مؤشرات مسبقة ولقد ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود وأحمد ( موت الفجأة أخذة أسف ) . ولقد أستعاذ منه المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما ورد في سنن أحمد عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه استعاذ من موت الفجأة ) ولقد شغل موضوع موت الفجأة بال علماء الطب على مر العصور ولكنه ظل ذلك الوحش الكاسر المجهول العوالم الذي يداهم ضحاياه في أي زمان وأي مكان على اختلاف طبقاتهم .

ومع بزوغ نور الثورة الطبية الحديثة خلال العقود الخمسة الماضية والتي واكبت تطور العلوم التقنية الأخرى استفاد العلماء من ذلك وظهر بصيص من الأمل لفك شفرات بعض أسرار موت الفجأة . وللتعرف على بعض المؤشرات التي تزيد من احتمالية حدوثه ساهمت تقنيات المراقبة الكهربائية مع تطور تقنيات الموجات فوق الصوتية والرنين المغناطيسي في التوغل إلى مسافات بعيدة في عالم مسببات موت الفجأة ، ولقد تمكن العلاج الدوائي من التأثير في نسبة حدوث موت الفجأة بأذن الله تعالى ولكنة لم يتمكن من بلوغ ما نتطلع إليه كمجتمع طبي للحد من نسبة حدوثه . ، وكثمرة لجهود بحثية وتطبيقية ضخمة شاءت قدرة المولى عز وجل ببزوغ فجر جديد أحدث ما يشبه سقوط صخرة كبيرة في البحر الراكد على مر التاريخ عدا حصيات متفرقة رميت فيه دون جدوى ، فلقد أسهم التكامل بين علوم الطب وهندسة الكهرباء وتقنيات الحاسب الآلي في بروز أجهزة كهربائية تزرع في الجسم تتسم بالدقة المتناهية منها ما يتعلق بتشخيص اضطرابات النبض القاتلة وترجمتها وتقديم العلاج الكهربائي الفوري لها خلال ثوان معدودة ومنها ما يتعلق بتنظيم النبض وأخرى تتعامل مع هبوط العضلة القلبية .
ولعلي في هذا الجزء والأجزاء القادمة من مقالي هذا . أتمكن مع القارئ الكريم في العالم العربي والإسلامي من القاء نظرة علمية طبية على موت الفجأة ، مدى انتشاره ومسبباته وتشخيصها ومن ثم نعرج على العلاج الكهربائي ومستجداته مع التركيز على عمر الطفولة والمراهقة علماً بأنه لا يوجد حاجز فعلي يفصل موت الفجأة لدى الكبار عنه عن الأطفال ولكن توجد خصائص لكل فئة عمريه تجعل منها فئة مميزة عن غيرها مع وجود تداخلات حتمية بين فئات الأعمار المختلفة .

الإغماء وموت الفجأة
عند الحديث عن موت الفجأة يجدر بنا الحديث عن الإغماء كحدث يسبق موت الفجأة وبالقاء نظرة سريعة على نسبة حدوث الإغماء في الأطفال والمراهقين نجد أنها حدثاً شائعاً وذو أسباب حميدة في معظم الأحيان . ولكشف الغموض أو الالتباس نعرف الإغماء بأنه فقدان مفاجئ للوعي مصاحب بفقدان للقوام . وبصرف النظر عن مسببات الإغماء فإن الناتج النهائي هو عدم حصول الدماغ على حاجته من الطاقة مما يسبب تعطل مفاجأ في وظائف الدماغ وارتخاء عضلات القوام وسقوط المصاب وتكون المسببات في معظمها حميدة لا تستدعي سوى فحوص مبدئية وطمأنة المصاب وأهله . ولكن هناك فئة من ضحايا الإغماء وهي ولله الحمد قليلة ترجع إلى أسباب خطرة هي في معظمها قلبية المنشأ وفي كل الأحوال يتأثر القلب بتغيرات أولية أو ثانوية مرضية في الجسم تؤدي إلى اضطراب شديد في وظائفه مما يجعل موت الفجأة حدث متوقع في مثل هذه الحالات . وتعتبر قدرة الأطباء المعالجين على اختلاف طبقاتهم التخصصية في كشف المؤشرات التي تنبؤنا باحتمالية حدوث مثل هذه الحالة قبل حدوثها من الضروريات الحتمية التي توجب على الجميع البحث عنها بالتبصر في التاريخ المرضي والكشف السريري والفحوصات المختلفة من منطلق قواعد علمية وذلك لإنقاذ الأشخاص ذوي علامات الخطر العليا من كارثة موت الفجأة لا قدر الله . ومن المؤسف أن نسبة ليست بالبسيطة من هؤلاء الضحايا يكون أول حضور لهم للطبيب المعالج بسبب معناتهم من اضطرابات قلبية شديدة أو في حالة وفاة فجائية

مدى انتشار الإغماءه وموت الفجأة
يعتبر الإغماء من الحوادث عالية الانتشار في مختلف المجتمعات ، وفي سن البلوغ أعلى منها حدوثاً من سن الطفولة المبكرة حيث قد تصل إلى 15% ومن الملاحظ وجود ميل لحدوث الإغماء وموت الفجأة في عوائل معينة مما يؤكد ضرورة استكشاف تاريخ العائلة عند وجود شخص مصاب . وفي أحد الدراسات المعنية وجد أن 27 مصاباً من بين 30 مصاباً يموتون ولهم صلة قرابة إلى أشخاص مصابين أيضاً . أما عن موت الفجأة والعياذ بالله فيقدر حدوثه بحالة إلى ثمانية حالات لكل 1000000 مريض في السنة . ومن الفوارق البارزة بين موت الفجأة لدى الأطفال واليافعين عنه في البالغين هو ندرة حدوث نقص التروية الدموية لعضلة القلب . وتجدر الإشارة إلى فئة تعتبر من أهم وأبرز الفئات التي ترتفع فيها نسبة حدوث موت الفجأة ( 5-18% ) ألا وهي فئة المصابين بأمراض قلب خلقية ما بعد الإجراء الجراحي حيث ثبت بالمتابعة بأن مواضع القطع الجراحية وما يتبعها من تليف موضعي تكون بيئة مثالية لنشأة اضطرابات قلبية قاتلة شكل ( 1 ) . ومن الفئات الأخرى التي تتميز بارتفاع نسبة حدوث الإغماء وموت الفجأة في سن تحت 30 سنة المصابون بتضخم عضلة القلب شكل ( 2 ) وهى حالة مرضية ذات مسببات كثيرة تتسبب في المحصلة إلى تضخم عضلات القلب ، تزيد مع الوقت ويصاحبه تدني في وظائف القلب الانبساطية يتلوه تدهور في القدرة الانقباضية ونقص في كفاءة التروية الدموية للكتلة القلبية المتضخمة يكون بيئة مثالية لاضطرابات النبض القاتلة . وتقدر نسبة حدوث موت الفجأة في هذه الفئة بنسبة 5%-7% ) من المصابين . ومع اضطراد التطور الطبي المصاحب للثورة المعلوماتية الكبرى في عالم الجينات أمكن التعرف على اضطرابات نبض قاتلة ذات أصول جينية مثل متلازمات استطالة إعادة الاستقطاب بأنواعها المختلفة وتقدر نسبة حدوث موت الفجأة فيها مجتمعة بنسبة ( 5% ) . أما عن المتلازمة الذئبية فيقدر حدوث موت الفجأة بنسبة تقارب ( 11% ) من المصابين ومن الأسباب الأخرى النادرة اعتلال الشرايين التاجية الخلقي واضطرابات أخرى تمثل نسبة ضئيلة من المصابين.

الإغماء والاضطراب الوظيفي في التروية الدموية للدماغ
يعتبر الإغماء وما يتلوه من موت فجائي نتيجة طبيعية لاضطراب عملية إمداد الدماغ بالطاقة يتلوها اضطراب نبض يؤدي إلى الوفاة ومن المفيد معرفة أنه في حال الصحة فإن الشاب البالغ اليافع يتمتع بتروية دموية دماغية تقارب 60 مل لكل دقيقة لكل 100 جرام من وزن الدماغ وهو ما يعادل 11.4 مل من الأكسجين في مستوى خضاب 14 جم / دسل ويتم ذلك بتنظيم ذاتي عالي الدقة يضمن تروية دماغية كافية حتى مع تغير ضغط الدم وهي ميكانيكية عالية الدقة ترتبط بمستوى غازات الدم ومستقبلات عصبية خاصة وتتأثر بمتغيرات هرمونية عصبية في عملية تتسم بالتكامل الوظيفي الشديد الإبداع فتبارك الله أحسن الخالقين . وفي حالة اضطراب أي جزء من هذه المنظومة المعقدة تنقص التروية الدموية للدماغ وتختل الوظائف الطبيعية حتى يصل الأكسجين إلى مستوى أقل من 3.5 مل لكل دقيقة لكل 100جرام لمدة تتعدى 8 ثوان عندها يحدث الإغماء .

موت الفجأة
يعتبر الرجفان البطيني هو الحدث الأساسي المسبب لموت الفجأة حيث يفقد القلب تماماً قدراته الانقباضية اللآزمة لدعم أعضاء الجسم المهمة وعلى رأسها القلب نفسه من خلال الشرايين التاجية والدماغ ومهما تعددت أسباب الوفاة كنزيف الدماغ أو الالتهابات البكتيرية الشديدة أو هبوط الدورة الدموية بأسبابه الكثيرة أو حموضة الدم وارتفاع البوتاسيوم فإن الناتج النهائي المؤدي إلى موت الفجأة هو اضطرابات النبض البطينية القاتلة من تسارع نبض البطين إلى الرجفان البطيني إلى توقف القلب والوفاة .

الفئات المعرضة لموت الفجأة
يمكن أن يكون ضحية موت الفجأة واحد أو أكثر من ثلاث فئات رئيسية هي :
1- المصابون بأمراض قلب خلقية أو غير خلقية سواء ما قبل أو ما بعد الجراحة القلبية .
2- الأصحاء الرياضيون أثناء تمارين الجهد العضلي .
3- الأصحاء غير الرياضيون من دون جهد عضلي .
وللإيجاز وغرض التبسيط سنناقش هذه الفئات المختلفة من منطلق اضطرابات النبض القلبية والتي تمثل العامل المشترك بينهم جميعاً في الأجزاء القادمة بأذن الله

| الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث |