User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد  السابع

ألجمت لساني -  من كتاب إنسانية ملك
دكتور / عبد العزيز بن عبدالرحمن الثنيان

للحوار رجالُه ، وللنقاش فرسانُه . والملكُ عبدُالعزيز من المحاورين الدُهاه ، حازمُ في حواره ، مقنعٌ في نقاشه . وكان للدخان في المملكة حكايةُ ، وله عند الأسلاف روايةُ ، فشُربُه ممنوعُ ، وتعاطيه محرمُ ، ومن ابتُلى به لم يتناوله إلا في السر ، لكن المشكلة في الرائحة ، فهي الفاضحةُ والكاشفة . وكانت الحساسية في الرياض أكبر ، والتشدد في العاصمة أقوى .
وكان الملكُ عبدُالعزيز يتعاملُ مع هذا الأمر بعقل وذكاء ، وفطنة ودهاء ، حتى أنه إذا هم بزيارة شخص يدخنُ يرسلُ إليه من يخبره بقدومه ومعه البخور لتطهير الغرفة والخيمة ، لكي تزول الرائحة الفاضحةُ .
وكان يحترمُ العلماءَ ويقدرُ رأيهم ، ويحزمُ في هذا الأمر ، ويقابلُ زواراً يدخنون ، ويعلمُ أولئك الضيوف أن الملكَ لايدخنُ ، وأن التدخين في المملكة ممنوعُ ، فيجاملون الملك ويحترمونه ، ولا يدخنون بحضرته . فتشرشل ذلك القائدُ الإنجليزيُ المشهورُ كان السيجار لايفارقُ فمه . وحين قابل الملك عبدالعزيز أمتنع طوال اجتماعه به عن التدخين ، وفي ذلك إشارةٌ إلى منزلة الملك البطل ، ومكانةُ الراحل عند العُظماء والزُعماء .
وجاء طلعتُ حرب إلى المملكة في عام 1354هـ 1935 م ، وسأل الملك عبدالعزبز عما يُقال من تحريم شُرب الدُخان في المملكة ، وكان جوابُ الملك يُنبئُ عن براعته في الحوار ، ويكشفُ عن إنسانيته وحرصه على شعبه ، واهتمامه باقتصاد وطنه ، ويدلُ على دهائه وسيطرته على الموقف . فقد جعل الملكُ من المناقشة والحوار والسُؤال والجواب حُجة لموْقفه .
بل أحسبُه قد قرأ قصة يحيى بن أكثم حين تولى قضاء البصرة وسنة عشرون سنة ونصف ، فقد أستصغره أهل البصرة فسألوه وقالوا له : كم سن القاضي ؟
فعلم أنهم قد أستصغروهُ ، فقال : أنا أكبُر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي صلى الله عليه وسلم قاضياً على مكة يوم الفتح ، وأنا أكبر من مُعاذ بن جبل الذي وجه به النبيُ صلى الله عليه وسلم قاضياً على أهل اليمن ، وأنا أكبُر من كعب بن سُوار الذي وجه به عمرُ ابنُ الخطاب ـ رضي الله عنه – قاضياً على أهل البصرة . فجعل من جوابه ورده حجة ودليلاً .
وذلك الملكُ عبدُالعزيز قد جعل من السُؤال والجواب حجةً ، ويعلمُ أن لكل مقام مقالاً . ولهذا قال لطلعت حرب : بكم يدخنُ أفقرُ إنسان عندكم يومياً ؟
قال طلعتُ : بقرشين
قال عبدُالعزبز : ماعددُ الذين يدخنُون على أقل تقدير ؟
قال طلعت : خمسةٌ في المائة .
قال عبُدالعزيز : كم تقدرُ عدد سكان بلادنا ؟
قال طلعتُ : حوالي خمسة ملايين .
قال عبدُالعزيز : إذا لم ننظُرلجانب التحليل والتحريم وأبيح الدخانُ في بلادنا فكم سيكونُ عددُ المدخنين على هذا القياس ؟
قال طلعتُ : سيكون العددُ ربع ملْيون .
قال عبدُالعزيز : وكم سيُنفقون من جراء ذلكَ ؟
قال طلعتُ : خمسة آلاف جُنيه في اليَوم ؟
قال عبدالعزيز : ليس لدينا دُخان يزرعُ ، ولا يُوجدُ لدينا شيئ من آلاته ، فكُلُه يأتي من الَخارج .
قال طلعتُ : هو كذلكَ .
قال عبدُالعزيز : أي أننا سنرسلُ مع فقْرنا خمسة ألاف جُنيه هديةً إلى الخارج كل يوم مُقابل نفخة هواء .
قال طلعتُ : يقولُ الناسُ إن لي شيئاً من العلم بالاقتصاد ! والله إنك ياعبدَالعَزيز أعلمُ به مني ، وقد ألجمتَ لساني ، وأقمتَ علي الحجةَ ! هذا هُو الملكُ الراحلُ في حواره ونقَاشه .