|
ألجمت لساني - من كتاب إنسانية ملك
دكتور / عبد
العزيز بن عبدالرحمن الثنيان
للحوار
رجالُه ، وللنقاش فرسانُه . والملكُ عبدُالعزيز من المحاورين الدُهاه ،
حازمُ في حواره ، مقنعٌ في نقاشه . وكان للدخان في المملكة حكايةُ ، وله
عند الأسلاف روايةُ ، فشُربُه ممنوعُ ، وتعاطيه محرمُ ، ومن ابتُلى به لم
يتناوله إلا في السر ، لكن المشكلة في الرائحة ، فهي الفاضحةُ والكاشفة .
وكانت الحساسية في الرياض أكبر ، والتشدد في العاصمة أقوى .
وكان الملكُ عبدُالعزيز يتعاملُ مع هذا الأمر بعقل وذكاء ، وفطنة ودهاء ،
حتى أنه إذا هم بزيارة شخص يدخنُ يرسلُ إليه من يخبره بقدومه ومعه البخور
لتطهير الغرفة والخيمة ، لكي تزول الرائحة الفاضحةُ .
وكان يحترمُ العلماءَ ويقدرُ رأيهم ، ويحزمُ في هذا الأمر ، ويقابلُ زواراً
يدخنون ، ويعلمُ أولئك الضيوف أن الملكَ لايدخنُ ، وأن التدخين في المملكة
ممنوعُ ، فيجاملون الملك ويحترمونه ، ولا يدخنون بحضرته . فتشرشل ذلك
القائدُ الإنجليزيُ المشهورُ كان السيجار لايفارقُ فمه . وحين قابل الملك
عبدالعزيز أمتنع طوال اجتماعه به عن التدخين ، وفي ذلك إشارةٌ إلى منزلة
الملك البطل ، ومكانةُ الراحل عند العُظماء والزُعماء .
وجاء طلعتُ حرب إلى المملكة في عام 1354هـ 1935 م ، وسأل الملك عبدالعزبز
عما يُقال من تحريم شُرب الدُخان في المملكة ، وكان جوابُ الملك يُنبئُ عن
براعته في الحوار ، ويكشفُ عن إنسانيته وحرصه على شعبه ، واهتمامه باقتصاد
وطنه ، ويدلُ على دهائه وسيطرته على الموقف . فقد جعل الملكُ من المناقشة
والحوار والسُؤال والجواب حُجة لموْقفه .
بل أحسبُه قد قرأ قصة يحيى بن أكثم حين تولى قضاء البصرة وسنة عشرون سنة
ونصف ، فقد أستصغره أهل البصرة فسألوه وقالوا له : كم سن القاضي ؟
فعلم أنهم قد أستصغروهُ ، فقال : أنا أكبُر من عتاب بن أسيد الذي وجه به
النبي صلى الله عليه وسلم قاضياً على مكة يوم الفتح ، وأنا أكبر من مُعاذ
بن جبل الذي وجه به النبيُ صلى الله عليه وسلم قاضياً على أهل اليمن ، وأنا
أكبُر من كعب بن سُوار الذي وجه به عمرُ ابنُ الخطاب ـ رضي الله عنه –
قاضياً على أهل البصرة . فجعل من جوابه ورده حجة ودليلاً .
وذلك الملكُ عبدُالعزيز قد جعل من السُؤال والجواب حجةً ، ويعلمُ أن لكل
مقام مقالاً . ولهذا قال لطلعت حرب : بكم يدخنُ أفقرُ إنسان عندكم يومياً ؟
قال طلعتُ : بقرشين
قال عبدُالعزبز : ماعددُ الذين يدخنُون على أقل تقدير ؟
قال طلعت : خمسةٌ في المائة .
قال عبُدالعزيز : كم تقدرُ عدد سكان بلادنا ؟
قال طلعتُ : حوالي خمسة ملايين .
قال عبدُالعزيز : إذا لم ننظُرلجانب التحليل والتحريم وأبيح الدخانُ في
بلادنا فكم سيكونُ عددُ المدخنين على هذا القياس ؟
قال طلعتُ : سيكون العددُ ربع ملْيون .
قال عبدُالعزيز : وكم سيُنفقون من جراء ذلكَ ؟
قال طلعتُ : خمسة آلاف جُنيه في اليَوم ؟
قال عبدالعزيز : ليس لدينا دُخان يزرعُ ، ولا يُوجدُ لدينا شيئ من آلاته ،
فكُلُه يأتي من الَخارج .
قال طلعتُ : هو كذلكَ .
قال عبدُالعزيز : أي أننا سنرسلُ مع فقْرنا خمسة ألاف جُنيه هديةً إلى
الخارج كل يوم مُقابل نفخة هواء .
قال طلعتُ : يقولُ الناسُ إن لي شيئاً من العلم بالاقتصاد ! والله إنك
ياعبدَالعَزيز أعلمُ به مني ، وقد ألجمتَ لساني ، وأقمتَ علي الحجةَ ! هذا
هُو الملكُ الراحلُ في حواره ونقَاشه .
|