|
ضغط الدم المنخفض
أ . د / محمد محسن إبراهيم
أستاذ ورئيس قسم أمراض القلب – كلية الطب – جامعة القاهرة
رئيس الجمعيتين المصرية والعربية لارتفاع ضغط الدم الشرياني
مقدمة

بداية نود أن نقول إنه لا يوجد تعريف رقمي محدد لضغط الدم المنخفض . وفي
أغلب الحالات يظهر انخفاض ضغط الدم كحالة طارئة ، ونادراً ما يمثل مشكلة
مرضية مزمنة ، ولا تستطيع أجهزة الجسم المختلفة تحمل انخفاض الضغط بمعدلات
كبيرة لمدة طويلة ، لأن هذا معناه أن كمية الدم التي تصل لأعضاء الجسم
المختلفة لن تكفي لتغذيتها ، مما سيؤدي إلى فشل في وظائف الأعضاء الحيوية
مثل المخ والقلب والكليتين . وإذا لم يتم علاج السبب المرضي المؤدي لانخفاض
ضغط الدم ، فقد تتدهور حالة المريض إلى الوفاة . ونظراً لأهمية ضغط الدم ،
فقد زود الله عز وجل الجسم بعديد من الأجهزة المختصة بمراقبة مستوى الضغط
بصورة دائمة ، وهى تنقل معلوماتها إلى أجهزة أخرى حتى إذا ما حدث اضطراب في
مستوى الضغط صعوداً أو هبوطاً ، نشطت الأجهزة المختصة بحفظ السوائل والملح
في الجسم ، أو المسئولة عن التحكم في انقباض الأوعية الدموية ، مما يؤدي في
النهاية إلى العودة بالضغط إلى معدلاته الطبيعية.
حالات انخفاض ضغط الدم الحادة
يحدث الانخفاض الحاد والمفاجئ في ضغط الدم إما لنقص في كمية الدم والسوائل
بالجسم ، أو نتيجة لاتساع الأوعية الدموية بدرجة كبيرة مما يؤدي إلى تراكم
الدم بها ، وبالتالي انخفاض الوارد منه للقلب ، أو بسبب هبوط حاد مفاجئ
للقلب .
1- نقص كمية الدم والسوائل بالجسم
يحدث فقدان الدم من الجسم عن طريق النزيف الخارجي ، أو النزيف الداخلي مثل
قرحة المعدة والأمعاء ، أو عند إصابة أحد الشرايين الرئيسية نتيجة التعرض
لحادثة مثل حوادث الطريق ، أو أثناء إجراء جراحة بالصدر أو البطن أو الحوض
. أما فقدان السوائل بكمية كبيرة فيصاحب الحروق غير المحدودة ، وحالات
القيء والإسهال الشديدة ، كما في مرض الكوليرا مثلاً ، أو نتيجة خروج البول
بكميات كبيرة أو إفراز العرق بغزارة .
ويؤدي فقدان الدم والسوائل إلى انخفاض كمية الدم الواردة إلى القلب
والصادرة منه . وفي الحالات البسيطة يتمكن الجسم من التغلب على نقص الدم
الوارد للقلب والاحتفاظ بالضغط قريباً من معدلاته الطبيعية ، وذلك عن طريق
تنشيط الجهاز العصبي السمبثاوي الضابط وزيادة إفراز هرمونات الغدة فوق
الكلية وجهاز الرينين – أنجيوتنسين ، مما يؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية
والإقلال من إدرار البول . وفي هذه الحالات البسيطة تزداد سرعة النبض خاصة
والمريض في وضع الوقوف ، وقد يعتريه بعض الشحوب مع برودة في الأطراف أما في
الحالات الشديدة لفقدان الدم والسوائل ، فإن أجهزة الجسم تعجز عن الاحتفاظ
بضغط الدم في حدوده الطبيعية حيث ينخفض بمعدلات كبيرة حسب شدة الحالة .
ويؤدي هبوط الضغط إلى انخفاض كمية الدم التي تغذي الأعضاء الحيوية بالجسم
كالمخ والقلب والكليتين ، ومن ثم يحدث قصور في الأداء الوظيفي لهذه الأعضاء
. إذ يبدأ مستوى الوعي في التدهور ، ويختل انتظام ضربات القلب ، ويحدث فشل
كلوي حاد . وإذا لم يتم تعويض الجسم عن كمية الدم والسوائل المفقودة ،
تتعرض حياة المريض للخطر .
2- الاتساع الحاد للأوعية الدموية
تتسع الأوعية الدموية بدرجة كبيرة ومفاجئة نتيجة لما يعرف بالصدمة العصبية
، حيث تفقد الأوعية الدموية والشرايين الصغيرة المختصة بالمقاومة الطرفية
قدرتها على الانقباض مما يؤدي إلى انخفاض الضغط بمعدلات كبيرة . وتتمثل أهم
أسباب الصدمة العصبية في التسمم الميكروبي الدموي الشديد ، أو الألم الشديد
، أو حدوث خلل بالغدد الصماء . وقد يحدث اتساع الأوعية الدموية أيضاً نتيجة
تناول العقاقير الخافضة للضغط التي تؤثر مباشرة على درجة انقباض الشرايين
الصغيرة بالجسم ، وكذلك في حالات الحساسية الشديدة لأحد العقاقير كالبنسلين
مثلاً . ومع اتساع الأوعية الدموية تبدأ السوائل داخل الأوعية الدموية في
التسرب إلى الأنسجة المجاورة ، فتقل كمية الدم مما يعجل بحدوث انخفاض ضغط
الدم .
3- الهبوط الحاد المفاجئ للقلب
في بعض الحالات قد تتعرض قدرة القلب على ضخ الدم للتدهور ، فينخفض حجم الدم
الصادر منه ومن ثم ينخفض الضغط . وتشمل هذه الحالات : حدوث فشل مفاجئ بعضلة
القلب ، أو انسداد الشريان الرئوي الرئيسي ، أو ظهور ارتشاح كبير ومفاجئ
بالغشاء الخارجي للقلب ( التامور ) . ومن الأسباب الرئيسية لفشل عضلة القلب
المفاجئ حدوث انسداد بأحد الشرايين المغذية للعضلة ، والمعروفة باسم
الشرايين التاجية ، وذلك نتيجة وجود جلطة دموية حادة داخل الشريان تسبب
تدمير جزء كبير من عضلة القلب . وتؤثر هذه الإصابة بعضلة القلب في قدرتها
على الانقباض ، وتقل بالتالي كمية الدم التي يضخها القلب . وقد تؤدي إصابة
عضلة القلب بالتهاب شديد وحاد إلى تعرضها أيضاً للفشل المفاجئ .
حالات انخفاض ضغط الدم العارضة والمتكررة
كثير من الحالات المرضية التي تقتضي ملازمة المريض للفراش لفترات طويلة –
مثل الكسور والحميات الشديدة والالتهاب الكبدي الوبائي وإصابات القلب –
يعقبها خمول في نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي ، وانخفاض مفاجئ في ضغط الدم
عند نهوض المريض على قدميه من وضع الرقاد أو الجلوس . وتظهر أعراض ذلك في
فترة النقاهة ، حيث يشكو المريض من الإحساس بالضعف والدوخة وعدم الاتزان
عند مغادرته للفراش ، وقد يفقد وعيه عند الوقوف نتيجة انخفاض الضغط المفاجئ
. وتستمر هذه الحالة ساعات أو أيام قليلة ، وتختفي بانتهاء فترة النقاهة
وعودة المريض لممارسة شئون حياته الطبيعية .
وقد يحدث انخفاض الضغط عند الوقوف نتيجة تناول العقاقير الموسعة للشرايين
أو المستخدمة في علاج ضغط الدم المرتفع ، أو نتيجة حدوث التهاب في الأعصاب
السمبثاوية المغذية للأوعية الدموية بالأطراف لدى مرضى السكري
ومن الأسباب النادرة لحالات انخفاض ضغط الدم المزمنة ، حدوث نقص في إفراز
هرمونات قشرة الغدة فوق الكلية أو ما يطلق عليه اسم ( مرض أديسون ) . بسبب
عجز في الغدة أو التهاب درني بها والفقدان الشديد للوزن ، وبعض أمراض
الجهاز العصبي ، وبعض حالات نقص الحديـد في الدم ( الأنيميا – أو فقر الدم
) ونقص إفراز الغدة الدرقية .
• تجدر الإشارة إلى أن انخفاض ضغط الدم وما يصحبه من شعور بالدوخة والإعياء
الشديد والإغماء عند الوقوف فترة طويلة خاصة في الجو الحار ، قد يصيب بعض
الفتيات والسيدات من ذوات القوام النحيف الطويل والعضلات الضعيفة ، خاصة
عضلات الساقين التي يلعب انقباضها دوراً مهماً في ضخ الدم الوريدي باتجاه
القلب أثناء وضع الوقوف . لكننا نلفت النظر هنا إلى أن كثيراً من الأعراض
السابقة قد يرجع السبب في ظهورها عند تلك الفتيات إلى التوتر العصبي النفسي
، وليس إلى انخفاض ضغط الدم .
علاج ضغط الدم المنخفض
يتوقف العلاج على طبيعة السبب المرضي المؤدي لانخفاض الضغط . فالحالات
الحادة الناتجة عن نقص كمية الدم والسوائل في الجسم تستدعي التدخل السريع
بتعويض الجسم عما فقد منها . أما حالات الصدمة العصبية والاتساع الحاد
للأوعية الدموية ، خاصة الناتجة من الحساسية الزائدة لأحد الأدوية ، فيمكن
علاجها عن طريق عقار الأدرينالين والأدوية القابضة للأوعية الدموية . وقد
نلجأ في الحالات الأخيرة إلى إعطاء كميات كبيرة من السوائل وبلازما الدم
إلا أنه يجب التوقف عن تناول أدوية الضغط إذا كانت هي السبب في انخفاض
الضغط . وبالنسبة لعلاج الحالات الناجمة عن هبوط القلب الحاد ، فيلزم دخول
المريض وحدة العناية القلبية المركزة ، مع متابعة الحالة بواسطة إخصائي
القلب لتحديد أسباب هبوط القلب ووضع العلاج المناسب .
ومن ناحية أخرى ، يستوجب الأمر في حالات انخفاض ضغط الدم المزمنة – إلى
جانب علاج السبب المرضى إن وجد واتباع المريض لبعض الإرشادات الصحية المهمة
. من هذه الإرشادات : زيادة كمية الملح في الطعام ، وتجنب الوقوف بدون حركة
لفترات طويلة خاصة داخل الأماكن المغلقة في الطقس الحار ، والامتناع عن
تناول العقاقير المثبطة لنشاط الجهاز العصبي السمبثاوي أو الموسعة للأوعية
الدموية ،وأيضاً مدرات البول والأدوية التي تؤثر على الجهاز العصبي .
ويجب التنويه إلى أنه ليس للأدوية القابضة للأوعية الدموية أو المنشطة
للجهاز العصبي السمبثاوي أي دور في علاج معظم الحالات المزمنة لضغط الدم
المنخفض ، بل إنه يجب تجنبها نظراً لآثارها الجانبية . علماً بأن مفعول هذه
الأدوية مؤقت ، لا يمتد لأكثر من ساعة أو ساعتين ، كما أنها تفقد فاعليتها
مع الاستخدام المتكرر .
ويعتمد تشخيص ضغط الدم المنخفض على قياس الضغط بدقة وعناية والمريض راقداً
، ثم قياسه مرة أخرى والمريض واقفاً بعد مضي عدة دقائق من الوقوف . ويجب أن
يكون ظهور أعراض الضعف والدوخة والإعياء على المريض مصحوبة بانخفاض واضح في
الضغط عند قياسه حال وجود الشكوى .
• تصحيح بعض الأفكار والمعتقدات الخاطئة
خلافاً للفكرة الشائعة ، فإن معظم الأفراد الذين يصل مستوى الضغط لديهم إلى
الحد الأدنى للمعدلات الطبيعية ( حوالي 90 مم زئبق إنقباضي ، 60 مم زئبق
إنبساطي ) لا يشعرون بأعراض غير طبيعية . وفي المقابل فإن كثيراً ممن
يعانون من الدوخة ( أو ما يسمونه هبوطاً ) والذين قد يتم تشخيص حالتهم
بأنها ناتجة عن الضغط المنخفض ، قد يظهر عند قياس مستوى الضغط لديهم أنه في
الحدود الطبيعية .
ومن الأخطاء الشائعة وصف العقاقير المنشطة للجهاز العصبي السمبثاوي أو
القابضة للأوعية الدموية لعلاج هؤلاء المرضى . إذ أن شكواهم في الواقع
مبعثها القلب العصبي والاكتئاب النفسي ، وليس لها علاقة بانخفاض الضغط .
ومن المعتقدات الخاطئة أيضاً علاج انخفاض الضغط لدى هؤلاء المرضى بإعطاء
المواد السكرية . إذ أن المواد السكرية لا علاقة لها بالضغط المنخفض .
وإنما يرجع التحسن الذي قد يشعر به بعض المرضى بعد تناول السكريات المركزة
إلا أن شكواهم نابعة أساساً من الحالة النفسية . أما حالات الضعف والهبوط
الناتجة من انخفاض الضغط لا تتحسن بالسكريات ، ولكن بتناول ملح الطعام
والأطعمة المالحة بكميات كبيرة .
ومن الأسباب المهمة لحدوث انخفاض حاد ومتكرر لضغط الدم ، ما يعرف بحالات
الإغماء البسيطة التي تنتج من زيادة نشاط العصب الحائر . وتتمثل الأعراض
المصاحبة لهذه الحالات في الإغماء أو في الشعور بالضعف الشديد والزغللة
خاصة عند الوقوف لفترة طويلة في الأماكن المزدحمة المغلقة ، أو بعد سماع
أخبار مثيرة أو مشاهدة حادثة في الطريق ، أو في أعقاب التبرع بالدم . ويسبق
فقدان الوعي في كثير من الأحيان الشعور بالغثيان والميل إلى القىء ، وإخراج
غازات مع مغص بالبطن ، وانخفاض في سرعة النبض ، وشحوب بالجلد ، وكثرة العرق
. وهذه الحالات تكون أكثر ذيوعاً لدى الأفراد العصبيين ومرهفي الحس وممن
يسهل استثارتهم . وعادة ما يستمر فقدان الوعي دقائق معدودة ولا تصحبه أية
مضاعفات ، ما لم يحدث بصورة مفاجئة قد تعرض المريض للأذى عند سقوطه أو
ارتطامه بالأرض . وعند حدوث هذه الحالات ، يجب ترك المريض في وضع الرقاد
على الأرض وعدم المبادرة بمساعدته على الوقوف ، لأن ذلك من شأنه أن يزيد من
انخفاض الضغط وسوف يعود إلى وضعه الطبيعي بعد دقائق معدودة .
|