|
قلوب أهل السعادة
دكتور / صالح بن عبدالله بن حميد
رئيس مجلس الشورى بالمملكة العربية السعودية
الحمد لله ملأ بنور الإيمان قلوب أهل السعادة ، فأقبلت على
طاعة ربها منقادة ، فحققوا حسن المعتقد وحسن العمل وحسن الرضا وحسن العبادة
. أحمده سبحانه وأشكره وقد أذن لمن شكره بالزيادة ، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحدة لاشريك له شهادة تبلغ صاحبها الحسنى وزيادة ، وأشهد أن سيدنا
ونبينا محمد عبده ورسوله المخصوص بعموم الرسالة وكمال السيادة . وصلى الله
وسلم وبارك عليه وعلى آلة وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
أما بعد : فياأيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل بتقواه خير زاد ،
وهي نعم العدة ليوم الميعاد . يجد المتبصر في أمور الحياة وشئون الأحياء
يجد فئات من الناس تعيش ألواناً من التعب والشقاء ، وتنفث صدورها أنواعاً
من الضجر والشكوى ، ضجر وشقاء يعصف بالأمان والأطمئنان ، ويفقد الراحة
والسعادة ، ويتلاشى معه الرضا والسكينة ، نفوس مغمسة في أضغانها وأحقادها
ويؤسها وأنانيتها ، ويعود المتبصر كرة أخرى ليري فئات من الناس أخرى قد
نعمت بهنيء العيش وفيوض الخير ، كريمة على نفسها ، كريمة على الناس ، طيبة
القلب سليمة الصدر طليقة المحيا . ماالذي فرق بين هذين الفريقين ؟ وماالذي
باعد بين هاتين الفئتين ؟ إنه الإيمان وحلاوة الإيمان .
ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام دينماً وبمحمد صلى الله علية
وسلم رسولاً بذلك أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام كما أخبر أن (
ثلاثاً من كُنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما ، وأن يحب المرء لايحبه إلا في الله ، وأن يكره أن يعود في الكفر
بعد إذ أنقذه الله منه ، كما يكره أن يقذف في النار )
أيها الأخوة : للإيمان طعم يفوق كل الطعوم ، وله مذاق يعلوا على كل مذاق
ونشوة دونها كل نشوة .
حلاوة الإيمان حلاوة داخلية في نفس رضية وسكينة قلبية تسري سريان الماء في
العود ، وتجري جريان الدماء في العروق . لا أرق ولا قلق ولاضيق ولا تضييق
بل سعة ورحمة ، ورضا ونعمة : ( ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ) (
النساء : 70 ) . ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (
الحديد : 12 ) .
الإيمان بالله هو سكينة النفوس ، وهداية القلب ، وهو منار السالكين وأمل
اليائسين . إنه أمان الخائفين ونصرة المجاهدين . وهو بشرى المتقين ومنحة
المحرومين ، الإيمان هو أب الأمل وأخ الشجاعة وقرين الرجاء . إنه ثقة النفس
ومجد الأمة وروح الشعوب . وأول منافذ الوصول إلى حلاوة الإيمان وطعم
السعادة والرضى بالله عز وتبارك رباً مدبراً فهو القائم على كل نفس بما
كسبت ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، قيوم السموات والأرضيين ، خالق
الموت والحياة والأكوان ، مسبغ النعم ، يجيب المضطر إذا دعاه وكاشف السوء .
أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، سوى الإنسان ونفخ فيه من روحه ، أطعمه من جوع ،
وكساه من عري ، وأمنه من خوف ، وهداه من الضلاله وعلمه من بعد جهالة .
إيمان بالله تستسلم معه النفس لربها ، وتنـزع إلى مرضاته ، تتجرد عن
أهوائها ورغباتها ، تعبده سبحانه وترجوه وتخافه وتتبتل إليه ، بيده الأمر
كله ، وإليه يرجع الأمر كله ، رضى بالله ويقين يدفع العبد أن يمد يديه
متضرعاً مخلصاً : ( ألهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ،
وبك منك ، لاأحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) .
ومذاق الحلاوة الثاني : الرضا بالإسلام ديناً ، دين من عند الله أنزله على
رسوله ورضيه لعباده ولا يقبل ديناً سواه .
إلى هذا التجسيد العجيب للرضا بدين الله ، غضب عمر بن الخطاب – رضي الله
عنه – على زوجته عاتكة فقال لها : والله لأسوأنك . فقالت له : أتستطيع أن
تصرفني عن الإسلام بعد إذ هداني الله إليه ؟ فقال : لا . فقالت : أي شيء
تسؤني إذن ؟ ! الله أكبر إنها واثقة مطمئنة راضية مستكينة مادام دينها
محفوظاً عليها حتى ولو صب البلاء عليها صباً . بل إن إزهاق الروح مستطاب في
سبيل الله على أي جنب كان في الله المصرع . الإسلام منبع الرضاء والضياء
ومصدر السعادة والإهتداء .
ومذاق الحلاوة الإيمانية الثالث : الرضا بمحمد صلى الله علية وسلم رسولاً
نبياً ، محمد الناصح الأمين والرحمة المهداة والأسوة الحسنة فلا ينازعه بشر
في طاعته ، ولايزاحمه أحد في حكم : ( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك في
ماشجر بينهم ) ( النساء : 65 ) .
الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم أهتداء وأقتداء وبسنته أستضاء وعملاً .
إذا صح الإيمان ووقر في القلب فاض على حياة ، فإذا مشى المؤمن على الأرض
مشى سوياً ، وإذا سار سار تعباً ، ريحانة طيبة الشذى ، وشامة ساطعة الضياء
. حركاته وسكناته إيمانية مستكينة : ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ،
وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن
سألني لأعطينه ، ولئن أستعاذني لأعيذنه ) من ذاق حلاوة الإيمان طاب عيشه ،
وعرف طريقه ، ومن عرف طريقه سار على بصيرة ، ومن سار على بصيرة نال الرضا
وبلغ المقصد . نعم يمضي في سبيله لا يبالي بما يلقى ، فبصره وفكره متعلق
بما هو اسمى وأرقى ( ياأيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك راضية مرضية ) (
الفجر : 27، 28 ) ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) (
الزمر : 22 ) .
هل رأيت – رحمك الله – زياً ومنظراً أحسن وأجمل من سمة الصالحين ؟! وهل
رأيت – وفقك الله – تعباً ونصباً ألذ من نعاس المجتهدين ؟ وهل شاهدت – حفظك
الله – ماءً صافياً أرق وأصفى من دموع النادمين على تقصيرهم والمتأسفين ؟ !
وهل رأيت – رعاك الله – جنة في الدنيا أمتع وأطيب من جنة المؤمن وهو في
محراب المتعبدين ؟ إنه ظمأ الهواجر ومجافاة المضاجع فيالذة عيش المستأنسين
هذه حلاوتهم في التعبد التحنث .
أما حلاوتهم في سبح الدنيا وكدها وكدحها ، فتلك عندهم حلاوة إيمانية تملأ
الجوانح بأقدار الله في الحياة . إطمئنان بما تجري به المقادير ، رضا يسكن
في الخواطر فيقبل المؤمن على دنياه مطمئناً هانئاً سعيداً راضياً . مهما
أختلفت عليه الظروف وتقلبت به الأحوال والصروف . لاييأس على مافات ولايفرح
بطراً بما حصل . إيمان ورضا مقرون بتوكل وثبات ، يعتبر بما مضى ويحتاط
للمستقبل وبأخذ بالأسباب ولايتسخط على قضاء الله ، ولايتقاعس عن العمل ،
يستفرغ جهده من غير قلق ، شعارة ودثاره : ( وماتوفيقي إلا بالله عليه توكلت
وإليه أنيب ) ( هود : 88 ) . موقن أن ( ما أصابه لم يكن ليخطئه . وما أخطئه
لم يكن ليصيبه ) . لو أجتمع أهل الأرض والسموات على نفعه بغير ماكتب له فلن
يستطيعوا ، ولو أجتمعوا على منعه عما قدر له فلن يبلغوا ، لايهلك نفسه
تحسراً ، ولايستسلم للخيبة والخذلان ، معاذ الله أن يتلمس الطمأنينه في
القعود والذلة والتخاذل والكسل ، بل كل مسارات الحياة ومسالكها عنده عمل
وبلاء وخير وعدل وميدان شريف للمسابقات الشريفة . جهاد ومجاهدة في رباطة
جأش ، وتوكل وصبر ، ظروف الحياة وابتلاءاتها لاتكدر له صفاء ولاتزعزع له
صبراً ( عجباً لأمر المؤمن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له
، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ، ولا يكون ذلك إلا لمؤمن ) بالإيمان
الراسخ يتحرر المؤمن من الخوف والجبن والجزع والضجر : ( قل لن لايصيبنا إلا
ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ( التوبة : 51 ) .
( لامانع لما أعطى ربنا ، ولا معطي لما منع ، ولاينفع ذا الجد منه الجد ) .
و ( ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) ( الإسراء : 30 ) .
حلاوة ورضا تقوم في حياة الكفاح على هذه الأصول والمبادئ ، إذا أعطي تقبل
وشكر ، وإذا منع رضي وصبر ، وإذا أمر أئتمر وإذا نهي أزدجر ، وإذا أذنب
أستغفر .
بهذا الإيمان وبهذا المذاق ينفك المؤمن من ربقة الهوى ونزعات النفس الأمارة
بالسوء وهمزات الشياطين وفتن الدنيا بنسائها ومالها وقناطيرها ومراكبها
وسائر مشتهياتها وزينتها ، سعادة وحلاوة ملؤها القناعة . سعادة وحلاوة
يتباعد بها عن الشح والتقتير والبخل والإمساك ، وينطلق في معاني الكرم
والإيثار والعطاء .
إن في حلاوة الإيمان ترطيباً لجفاف المادة الطاغية ، وحداً من غلواء الجشع
والجزع ، وغرساً لخلال البر والمرحمة ، ومن ثم تتنزل السكينة على القلوب
وتغشى الرحمة النفوس : ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم
المهتدون ) ( البقرة : 157 ) ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وايدهم بروح
منه ) ( المجادلة : 22 ) . ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى ) ( طه : 123 )
. ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم
أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون ) ( النحل : 97 ) .
|