|
الخمول البدني لدى النشئ السعودي
ومخاطره على صحة القلب
دكتور / هزاع بن محمد الهزاع
الأستاذ والمشرف على مختبر فسيولوجيا الجهد البدني
قسم التربية البدنية وعلوم الحركة
كلية التربية – جامعة الملك سعود
مقدمة
شهدت المملكة العربية السعودية على مدى العقدين الماضيين تطوراً حضارياً
كبيراً ، أدى إلى
تغيرات ملحوظة في نمط حياة الأفراد ، حيث أنخفض بشكل كبير حجم العمل
الأعتيادي اليومي الذي يتطلب جهداً بدنياً فاستخدامالأجهزة الكهربائية طغت
على العمل اليدوي في الزراعة أو في الصناعة ، ووسائل الأنتقال الحديثة حلت
محل المشي ، وأصبح العمل اليومي في معظمه مكتبياً لايتطلب أدنى جهداً
عضلياً من الفرد . والمحصلة هى أنخفاض معدل النشاط البدني اليومي لعامة
الناس . ولم يسلم من ذلك كله شريحة مهمة من المجتمع هى فئة الأطفال
والناشئة ، فأصبحوا ينتقلون من المدرسة وإليها بالسيارة في أغلب الأمر ،
ويقضون جل أوقاتهم أمام التلفاز أو الكمبيوتر . وعندما يضاف إلى ذلك كثرة
أعتمادهم على الوجبات الغنية بالسعرات الحرارية والمحتوية على الدهون
والسكريات ، فإن النتيجة هى أنتشار المشكلات الصحية المرتبطة بنمط الحياة
المعاصرة ، أو مايسمى بمشكلات نقص الحركة .
.
في هذه المقالة ، سوف أتطرق إلى الآثار الصحيـة ( وخاصة مايتعلق
بصحة القلب ) المترتبة على انخفاض حجم النشاط البدني وانتشار البدانة لدى
الأطفال والناشئين السعوديين ، والذي يعزى بشكل كبير الى التغيرات الحياتية
التي أصابت المجتمع السعودي عامة ، مشتقين استنتاجاتنا بصورة رئيسة من
نتائج البحوث العلمية التي أجريت في مختبر فسيولوجيا الجهد البدني بجامعة
الملك سعود خلال العشر سنوات الماضية ، حول نشاط الأطفال البدني ولياقتهم
القلبية التنفسية ومستويات البدانة لديهم ، وارتباط ذلك كله بصحة القلب .
مستوى النشاط البدني وصحة القلب لدى النشء : هل من علاقة ؟
من المعروف أنه منذ مايزيد على ثلاثة عقود والبحوث العلمية وتقارير الهيئات
والجمعيات الطبية تؤكد على أرتباط الخمول البدني سلباً بصحة القلب لدى
الراشدين . بل إن الخمول يعد حالياً أحد عوامل الخطورة المهيأة للإصابة
بأمراض القلب التاجية . كما ويعتقد أن الآثار المترتبة على الخمول البدني
على المجتمع بشكل عام تفوق تلك المترتبة على ارتفاع الكوليسترول أو ارتفاع
ضغط الدم الشرياني ، لأن نسبة الخاملين بدنياً في المجتمع تفوق نسبة
المصابين بارتفاع الكوليسترول أو ضغط الدم الشرياني .

لكن ماذا عن صغار السن من الأطفال والناشئة دون سن الثامنة عشر من العمر ؟
في العقدين الماضيين حدث اهتمام ملحوظ بدراسة عوامل الخطورة المهيأة
للإصابة بأمراض القلب التاجية لدى النشء ، ومدى ارتباطها بمستوى النشاط
البدني لديهم . وقد يتساءل القارئ : لماذا الاهتمام بدراسة مخاطر الإصابة
بأمراض القلب التاجية لدى صغار السن ، وأمراض القلب التاجية لاتحدث إلا بعد
منتصف العمر لدى الإنسان ؟ وللإجابة على ذلك نشير إلى أن أمراض القلب
التاجية لا تحدث فجأة بعد منتصف العمر ، بل أنها تبدأ منذ الصغر وتتطور
تدريجياً حتى تظهر بوضوح في الكبر . فالدراسات الحديثة التي شرحت جثثاً
لناشئة في الأعمار من 15-20 سنة تؤكد على أن إحتشاء شرايين القلب موجود
لديهم بدرجة ملحوظة في هذه السن المبكرة . كما أن البحوث العلمية التي
تتبعت الأطفال حتى مرحلة الشباب ثم الكبر وجدت أن عوامل الخطورة المهيأة
للإصابة بأمراض القلب التاجية ( مثل ارتفاع دهون الدم ، والكوليسترول ،
السمنة ، والخمول البدني ) لدى النشء تستمر مع نسبة ملحوظة منهم . وبالتالي
فإن محاولة التحكم في عوامل الخطورة هذه وضبطها في سن مبكرة يعد إجراء
وقائي حكيم للحد من استمرارها معهم لمدة طويلة ، مما يخفض من فرص إصابتهم
بأمراض القلب التاجية مبكراً .
مستوى النشاط البدني لدى الأطفال والناشئين
السعوديين :
لقد تم قياس مستوى النشاط البدني لدى الأطفال السعوديين بواسطة أجهزة قياس
ضربات القلب عن بعد ، وهى أجهزة صغيرة وسهلة الحمل توضع على الصدر وتقوم
برصد وتخزين ضربات القلب بشكل متواصل . ولقد تم رصد ضربات القلب منذ الصباح
الباكر وحتى موعد النوم . ولقد أظهرت نتائج البحوث التي قمنا بإجرائها خلال
السنوات العشر الماضية أن حوالي 60% من البنين في مدينة الرياض غير نشيطين
بدنياً ( أي لايمارسون الحد الأدني المطلوب من النشاط البدني المعتدل الشدة
في اليوم ) . بل أن من يمارس نشاطاً بدنياً مرتفع الشدة ضمن الحدود الموصى
بها صحياً لا يتجاوزون 15% من المجموع الكلي للبنين . ومن غير المستغرب
أننا وجدنا أيضاً أن معدل النشاط البدني اليومي للطفل يرتبط عكسياً مع
المدة التي يقضيها أمام التلفاز أو الفيديو والكمبيوتر . كما أن من النتائج
التي لاحظناها أن التلاميذ الذين لايشاركون في حصص التربية البدنية الرسمية
هم الأكثر خمولاً بدنياً خارج الدوام المدرسي ، مما يعني ضرورة الاهتمام
بهؤلاء التلاميذ غير النشطين أثناء دروس التربية البدنية المدرسية بصورة
أكثر من غيرهم
السمنة ( البدانة ) لدى النشء السعودي :

يعد النشاط البدني وسيلة مهمة في مكافحة السمنة لدى الصغار والكبار على
السواء . وتكتسب ممارسة النشاط البدني أهمية أكبر لدى الصغار نظراً لأنه
لايوصى بأن يخضع الصغار في مرحلة النمو إلى برامج حمية غذائية قاسية قد
تؤثر سلباً على نموهم الطبيعي . لذا فإن زيادة معدل ممارسة الأنشطة البدنية
في هذه المرحلة العمرية يكون الإجراء الأمثل لزيادة الطاقة المصروفة لدى
الفرد . وغني عن القول أن نسبة السمنة ( البدانة ) تعد مرتفعة لدى النشء
السعودي بشكل عام . وهذا ماتؤكده نتائج البحوث التي قمنا بإجرائها على طلاب
المدارس في مدينة الرياض . بل أننا لاحظنا أن نسبة الشحوم لدى التلاميذ قد
أزدادت خلال السنوات العشر الماضية ، مستدلين على ذلك من خلال قياسات سمك
طية الجلد لدى التلاميذ . ويبدو أيضاً أن الأطفال البدناء أكثر عرضة
للإصابة بعوامل الخطورة الأخرى المهيأة للإصابة بأمراض بأمراض القلب
التاجية ، فلقد وجدنا أن مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول وضغط الدم
الشرياني التي تزيد عن الحدود الطبيعية هى أكثر أنتشاراً لدى البدناء
مقارنة بغير البدناء . ومما لاشك فيه أن اللياقة القلبية التنفسية لدى
البدناء دون مستوياتها لدى غير البدناء ، خاصة في الأنشطة التي يتم فيها
حمل الجسم مثل المشي والجري .
دهون الدم وضغط الدم الشرياني لدى الأطفال السعوديين
:

تشير بحوث فسيولوجيا النشاط البدني لدى الأطفال السعوديين التي قمنا
بإجرائها إلى أن حوالي 27% من البنين في مدينة الرياض لديهم مستويات مرتفعة
من الدهون الثلاثية في الدم ، وحوالي 23% منهم لديهم مستوى مرتفع من
الكوليسترول . كما أن بحوثنا والبحوث الأخرى التي أجريت على النشء تشير إلى
أن مانسبته من 4-11% من الأطفال والناشئة لديهم مستويات مرتفعة من ضغط الدم
الشرياني . والملاحظ أيضاً أننا وجدنا أن الأطفال النشيطين بدنياً تنخفض
لديهم مستويات عوامل الخطورة المهيأة للإصابة بأمراض القلب التاجية ، وخاصة
الدهون الثلاثية ، والكوليسترول الحسن ، والكوليسترول السيئ ، والبدانة .
الخلاصة والتوصيات :
• تكتسب ممارسة النشاط البدني بانتظام لدى الأطفال والناشئين أهمية صحية ،
خاصة لصحة القلب والأوعية الدموية . لذا من الضروري أن يمارس الطفل والناشئ
نشاطاً بدنياً يتسم بالشدة المعتدلة بما لايقل عن ساعة يومياً ، على أن
يتخلل ذلك نشاط بدني مرتفع الشدة في حدود 15-20 دقيقة .
• تنذر معدلات السمنة لدى النشء السعودي بالخطر المحدق بصحتهم . لذا ينبغي
استخدام النشاط البدني وسيلة للحد من انتشار السمنة بينهم ، مع محاولة حثهم
وتعويدهم على الحركة بدلاً من الخمول البدني .
• وجود مستويات مرتفعة من دهون الدم لدى النشء السعودي قد يعكس التغيرات
الحياتية التي يشهدها المجتمع عموماً ، خاصة مايتعلق باستهلاك المواد
الغذائية الغنية بالدهون والسكريات ، وانتشار الخمول البدني على نطاق واسع
. لذا من الضرورة بمكان توفير التوعية والإرشاد المبكر للأطفال والناشئة من
قبل الأسرة والمدرسة والهيئات الطبية والشبابية حول جوانب التغذية الصحية
والحركة والنشاط البدني .
|