|
قصة قصيرة
- يوميات طبيب - الحبوب الزرقاء
د/ حسين عبدالله هاشم يماني
في أحد
ليالي الشتاء قارص البرودة حضر إلى الإسعاف في وقت متأخر من الليل رجل في
أواخر العقد السادس من عمره بصحبة خمسة من أبناءه وزوجة شابة وكان يعاني من
ألم شديد بالصدر قد ظهر كألم خفيف في منتصف الصدر فجر الليلة الماضية وزادت
شدته دقيقة بعد دقيقة وساعة بعد ساعة يصاحبة شعور بغثيان شديد دفع بالمريض
إلى التقيئ أكثر من مرة مع زيادة في خروج العرق وإحساس بدوخة شديدة . بوجود
كل هذه الأعراض تهاون المريض ولم يحضر إلى المستشفى مع ظهور الألم أو بداية
تطوره لأنه كان مقيماً بعيداً عن منزل العائلة في عش الزوجية الجديد مع
الزوجة الجديدة التي لم يمض على زواجه منها سوى ستة أشهر ، وقد كان من
الصعب عليه الأتصال بأحد أبنائه أبنائه لأخذه إلى الإسعاف في وقت متأخر من
الليل في ذلك الجو البارد . قام طبيب الإسعاف على الفور بمعاينته وعمل
تخطيط القلب الكهربائي وأتضح منه أن المريض قد أصيب بجلطة قلبية في الجدار
الأمامي للبطين الأيسر الحالي يصعب علاجها بالمذيبات الحديثة لتأخره في
الحضور لأكثر من إثنى عشرة ساعة من ظهور الألم وحدوث الجلطة ، حضر الاخصائي
فور الاتصال به وأكمل اللازم في الإسعاف وتم ترتيب ادخال المريض للعناية
القلبية المركزة للتحكم في الألم والسيطرة الطبية والمراقبة والمتابعة
المكثفة . بحمد الله أستقر وضع المريض ومرت الأمور على سلام في تلك الليلة
. في صباح اليوم التالي أخبرني المريض أنه بدأ يشعر بألم شبيه بالألم الذي
شعر به الليلة قبل الماضية ، قمنا بتغير جزئي لإستراتيجية العلاج ورغم
العلاجات الدوائية الوريدية المكثفة كان من الصعب السيطرة على هذه الذبحة
الصدرية غير المستقرة لذلك كان من الضروري إخبار المريض أن وضعه يحتاج عمل
قسطرة قلبية للوقوف على وضع الشرايين التاجية لتحديد استراتيجية العلاج
وربما أحتاج الوضع إلى توسيع الشرايين الضيقة بالبالون ووضع دعامات معدنية
لمنع الإنسداد مرة أخرى أو إرساله مباشرة للجراحة لزراعة شرايين جديدة على
الشرايين التاجية ومساعدة القلب لللحصول على التروية الجيدة ، ما أصابني
بالدهشة أن المريض كان رافضاً بشدة عمل القسطرة القلبية لما سمعه من كثير
من الناس أنها عملية خطيرة وغير مضمونة ومشاكلها أكثر من منافعها وما إلى
ذلك من الأقوال غير الصحيحة التي يتداولها كثير من الناس في مجالسهم دون
توخي الحقيقة من مصادرها ،مع ماسمعته من المريض أصبحت مسئوليتي أكثر صعوبة
فوضعه الصحي حرج وفي المقابل يحتاج أقناع بطريقة علمية سهلة مفهومة لتجنيبه
مخاطر ومضاعفات لايحمد عقباها وبعد طول عناء من المد والجزر في الحديث مع
المريض وبعد توضيح كل الأمور وطريقة عملنا للقسطرة القلبية والفائدة
الكبيرة المرجوة منها والخبرات التي نتمتع بها والنتائج الممتازة التي
حصلنا عليها مع آلاف المرضى السابقين وافق المريض على عمل القسطرة القلبية
وكل الخطوات التي نراها مناسبـة في الحال ، بسرعة أُخذ المريض لمختبر
القسطرة القلبية وتم توسيع شريانين من الشرايين التاجية الضيقة ووضعت
دعامتين معدنيتين لمنع أنقباض الشرايين وأنسدادها مرة ثانية وبعد الأنتهاء
أرسل المريض مرة أخرى للعناية القلبية المركزة . بعد أن أنتهيت من عمل باقي
حالات القسطرة القلبية ذهبت لرؤيته والإطمئنان عليه وقبل سؤاله بادرني
هوبالكلام معبراً عن شكره لكل جهد عمل لإنقاذ حياته ومساعدته وأبدى أسفه
لما بدر منه ولفهمه الخاطئ ورفضه المساعدة . لقد اسعدني هذا الكلام لأن
قناعة المريض وتجربته سوف تصحح كثير من المعتقدات الخاطئة التي أكتسبها من
المجالس والديوانيات والتي سوف يقوم بتصحيحها للأشخاص الذين كانوا سبباً في
فهمه الخاطئ وبعد مرور 24 ساعة من الإستقرار الصحي على العلاج الدوائي تم
إرسال المريض لعنبر التنويم وبعد يومين آخرين أرسل للبيت بعد عمل بعض
الفحوصات الضرورية زيادة في الإطمئنان مع صرف العلاج الدوائي اللازم
وإعطائه خطة تأهيلية واضحة بكيفية التدرج في الجهد البدني ليتمكن مع الوقت
من القيام بأغلب الأعباء الوظيفية والإجتماعية والعائلية المناسبة دون عناء
مع تدريب القلب على تحمل تلك الأعباء .

لم تمض أيام قليلة حتى حضر نفس المريض مع أحد أبنائه وآخر زوجاته إلى
الإسعاف في وضع لايحسد عليه ، إن كل المؤشرات الحيوية غير جيدة حتى أن طبيب
الإسعاف قد شعر بضرورة وضعه على التنفس الإصطناعي وإدخاله العناية القلبية
المركزة بسبب التدهور الكبير في وضعه الصحي ، وتأكيداً على ذلك مادلت عليه
كل المؤشرات التي حصلنا عليها من عمل القسطرة القلبية للجهة اليمنى للقلب
أن مقاييس الضغوط داخل حجرات القلب والشرايين القلبية والرئوية في وضع سيئ
حتى اضطررنا لإدخال بالون بالشريان الأورطي لتحسين دفع الدم وتروية
الشرايين التاجية كما أننا كثفنا العلاج الدوائي لرفع ضغط الدم المنخفض
والتقليل من احتقان الرئتين ومساعدة القلب على تحمل الجلطة القلبية الجديدة
التي أدخلته في وضع صحي حرج في فترة وجيزة . لحرصي الشديد على المريض وقفت
على علاجه بنفسي وحاولت الوقوف على أسباب تدهور قلبه وإصابته بجلطة قلبية
أخرى . سألت إبنه عما حصل لوالده وأسباب تدهور حالته ، لكن يبدوا أنه لاعلم
له بأي شيئ ، توجهت إلى زوجته بنفس السؤال وقد كانت قلقة ومنزعجة لكنها
كانت حريصة على إجابة السؤال وقالت لي لقد كانت صحته في تحسن حتى زاره
صديقه أبو فهد وأعطاه هذه الحبوب الزرقاء وقال له : إنها سوف تزيد من قوته
وترجعه شباباً ، لكنه شعر بألم شديد في صدره مع كتمة بالنفس بعد أخذه حبتين
من هذه الحبوب دفعة واحدة ، نظرت لتلك الحبوب وقد كانت صدمتي كبيرة لما
سمعت لأنني أخبرت المريض عن نوع الجهد الذي يمكن أن يقوم به ووقته وقد أعطي
خطة تأهيلية مكتوبة ، كما أنني كنت صريحاً معه في إجابتي على سؤاله وحذرته
من استخدام حبوب الفياجرا أو مايعرفها الكثيرون بالحبوب الزرقاء لأن
أعراضها الجانبية خطيرة عند استخدام علاجات القلب الموسعة للشرايين التاجية
وفي مثل وضعه الصحي .
فجأة توقف قلب المريض وعلى الفور قمنا بعمل مكثف لمساعدته واستعادة نبض
القلب وبعد مرور عشر دقائق من الإنعاش القلبي الرئوي رجع النبض لكن دقات
قلبه كانت ضعيفة سرعان ماختفت إلى الأبد رافضة الرجوع رغم تلقيها العديد من
الصدمات الكهربائية والكثير من الجهد في إنعاش القلب وتحسين التنفس ورفع
ضغط الدم والمحافظة على الأعضاء الحيوية ، وبعد مايزيد عن أربعين دقيقة من
المحاولات الشاقة أعلنا وفاة المريض الذي كانت الحبوب الزرقاء واحداً من
أسباب تدهور قلبه بالإضافة إلى تهاونه وإهماله عند بداية المشكلة ، فحضوره
المتأخر للمستشفى بعد ظهور الأعراض ورفضه القسطرة القلية في أول الأمر قد
غير كثير من استراتيجيتنا للعلاج والتدخل العلاجي في الوقت المناسب وما زاد
الطين بله أنه لم يستمع لنصيحة طبيبه بعد الخروج من المستشفى وأخذ علاجاً
ضاراً دون أستشارة طبيب ولعل ماحصل لهذا المريض يكون عبرة لغيره ورحمه الله
رحمة واسعة .
|