|
قصة قصيرة - يوميات طبيب - الثقـة باللـه
دكتور / حسين عبدالله هاشم يماني
اتصل
بي أحد الزملاء من الأطباء المتخصصين في علاج الأمراض السرطانية وقال لي إن
لديه امرأة في العقد الرابع من عمرها قد أصيبت بورم سرطاني بالثدي انتشر
للغدد الليمفاوية المجاورة وقد تم استئصال الثدي المصاب جراحياً وتم علاجها
عن طريق العلاج الكيميائي والإشعاعي في إحدي المستشفيات وقد تحسنت حالتها
في بداية الأمر تحسناً يبشر بخير لكنها بدأت تعاني من ضيق في التنفس بعد
مرور سنة من علاجها بالدواء الكيميائي وقد عللنا ذلك لتعرضها لجرعات كبيرة
من الأشعة العلاجية على الصدر والدواء الكيميائي لكن وضعها بدأ يتطور
ويزداد سوءاً وقد تم استشارة أحد أطباء القلب في تلك المستشفى وقد تم
علاجها بالبالمدرات وبعض العلاجات على أساس أنها حالة هبوط في وظيفة عضلة
القلب وبالفعل تحسنت حالتها قليلاً لكن بعد مرور سنة أخرى تم اكتشاف غدد
لمفاوية بالرقبة وفضلت المريضة العلاج بالمستشفى الذي نعمل به وبعد عمل
الفحوصات اللازمة لها اكتشف أن الغدد المتضخمة بها خلايا سرطانية وتم
علاجها بالدواء الكيميائي على فترات وبعد مرور ستة أشهر اختفت الغدد لكن
وضعها التنفسي ازداد سوءاً حتى أنها تجد صعوبة في نوم ساعات قليلة وأصبحت
هزيلة لا تقوى على القيام بواجبات بسيطة في بيتها بالإضافة إلى إحساسها
بعدم الرغبة في الأكل وألم بأعلى البطن بالجانب الأيمن وتورم بالساقين
وشحوب بالبشرة لذلك قرر الزميل عند معاينتها في عيادته أنها في وضع صحي غير
جيد ويجب إرسالها لي لعلاج قلبها حسب ما أراه في مثل هذه الحالات .
شعرت إنني أمام تحدي كبير لكني يجب أن أخوضه ، طلبت من الأخ الزميل إرسال
المريضة فوراً لعيادتي فلحسن حظها أن أحد المرضى قد تغيب ويوجد لدينا نصف
ساعة على الموعد التالي لأحد المرضى . وصلت المريضة في خلال بضع دقائق
برفقة زوجها الذي يكبرها بضع سنوات والذي بدو عليه الزعر والكآبه على عكس
ما قرأته على وجه المريضة المتفائلة رغم إنها متعبة وتعاني من ضيق نفس شديد
. طلبت من المريضة وزوجها الجلوس على الكراسي وطلبت من المريضة الاسترخاء
للسماح للممرضة بقاس ضغط الدم وسرعة النبض وفي تلك الأثناء كنت أتحدث للزوج
الذي كان متوتراً وخائفاً على زوجته . وما قد يحصل لها في القريب العاجل .
حاولت تهدئته وإخباره أن لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا وأن يجب أن نتحلى
بالصبر للحصول على أعلى الدرجات والحسنات . تدخلت المريضة قائلة تعرف يا
دكتور /إن ثقتي بالله كبيرة جداً وأنا دائمة الدعاء والتوجه إلى الله ليلاً
ونهاراً بطلب الشفاء لي وكافة المسلمين . حقيقة أسعدني قولها وشعورها كثيراً
وطلبت منها الطلوع والاستلقاء على سرير الفحص لتقويم وضعها الصحي ، وبصعوبة
تم وضعها على السرير والبقاء مستلقية مدة قصيرة جداً وفي فحص سريع تبين لي
أنها تعاني من هبوط شديد في القلب وأن بها احتقان في الرئتين وتورم
بالساقين وانتفاخ بالبطن واحتقان شديد بالكبد . قلت لها وزوجها يسمعني
بإصغاء شديد يجب على ّ إخبارك بوضع قلبك لأن خطوات العلاج في الأسابيع
القادمة تحتاج منك الدقة الشديدة والمتابعة المستمرة معي . لتجاوز هذه
المحنة بإذن الله . سألت المريضة هل من الممكن أن أتحسن يا دكتور وأنا وصلت
لهذه المرحلة المتأخرة ، قلت لها ألم تقولي أن ثقتك بالله كبيرة ، قالت نعم
، قلت لها يجب أن تستمر هذه الثقة وتزداد قوة وقوة فكلما ارتفعت ثقتك بالله
ومعنوياتك ساعد هذا على تقوية جهازك المناعي وإعطائك قوة لتحمل جميع
المصاعب والدخول في تحدي لمقاومة المرض وما يصاحبه من تغيرات نفسية واكتئاب
. ابتسمت المريضة قليلاً وقالت ربنا ينور لك طريقك . تصفحت ملفها جيداً
ووجدت أن فحص القلب بالموجات فوق الصوتية قد عمل قبل يومين وأن التوسع
الشديد في البطينين خاصة في البطين الأسر وضعف وظيفته تدل دلالة كبيرة على
أن القلب قد تأثر بالعلاجات الكيمياوية التي أعطيت للمريضة لقتل الخلايا
السرطانية . على كل حال حاولت إدخالها المستشفى لتكون تحت إشرافي المباشر
لكنها طلبت مني عدم ادخالها لأنها تريد أن تكون مع عائلتها وأطفالها الذين
يحتاجون لرعايتها كما أنها تحتاج الخصوصية للعبادة والدعاء وقيام الليل
وقراءة القرآن وقراءة الكتب التي لن تكون متوفرة بسهولة إلا في البيت ،
احترمت طلبها لكني قلت لها يجب أن نضع استراتيجية دقيقة لمتابعتك وعلاجك .
فالعلاج الذي أصفه له يجب أن تتبعيه بدقة ويجب أن تحضري للعيادة كل أسبوع
وإذا طرأ أي شئ يجب عليك أن تخبريني عن طريق الهاتف وإذا شعرت أن وضعك حرج
يجب حضورك للإسعاف مباشرة ، ثم قمت بوصف العلاج الدوائي وشرح طريقة
استعماله كما أنني نصحتها بفحص كمية بخفض كمية الملح بالطعام وتقليل كمية
السوائل التي تتناولها يومياً على ألا تزيد عن لتر . خرجت المريضة وعلامات
الانشراح بادية على وجهها لكن لم تكن كذلك على وجه زوجها . وبالمتابعة
الدورية الدقيقة الأسبوعية بالعيادة والمتابعة عبر الهاتف وبعد أقل من
ثلاثة أسابيع كانت المريضة شخصاً آخر وقد اختفت كل علامات هبوط القلب
الظاهرة لكن شكل وظيفة القلب بالموجات فوق الصوتية لم تتغير كثيراً وبعد
مرور ثلاثة أشهر كانت المريضة تقوم بكافة الأعمال المنزلية على أكمل وجه
وقد أسعدني كثيراً ما توصلنا إليه معها فبالعزيمة والإصرار والثقة بالله
وقدرته تمكنت المريضة من التغلب على اليأس وحرصت على العلاج ومقاومة المرض
ولم تتهاون في اتباع تعليمات الطبيب الذي وثقت فيه ولتكن هذه القصة عبرة
لكثير من المرضى لعدم اليأس والثقة بالله والدعاء ومتابعة تعليمات الطبيب
بدقة .
|