|
قصة قصيرة - يوميات طبيب - ضغط الدم العصبي
د/ حسين بن عبدالله هاشم يماني
زارني
بعيادتي المزدحمة مريض في منتصف العقد الثالث من العمر وقد جاء على غير
موعد وأصر على رؤيتي لانزعاجه الشديد وحرصه في الاطمئنان على صحته وبعد
فترة من الانتظار طلبت إدخاله العيادة بعد أن غاب أحد المرضى عن الحضور في
الموعد المحدد له . وقد أدهشني ما رأيته على وجه هذا الرجل من توتر وخوف
وحيرة فقد كانت الكلمات تتلعثم في فمه وكانت الأسئلة كثيرة يصعب علىَّ
استيعابها والرد عليها دفعة واحدة فطلبت منه الهدوء . وعرض مشكلته بتركيز
ووضوح فكلي آذان صاغية ومستعد للإجابة على كل سؤال وتوضيح كل نقطة غامضة
وشرح كل معلومة غير مفهومة ، نظر الشخص إلى وجهي وقال يا دكتور مشكلتي بدأت
عندما كنت أحضر أوراقي لأول وظيفة بعد تخرجي من الجامعة فأثناء الفحص الطبي
قال لي الطبيب أن ضغط دمي الشرياني مرتفع قليلاً وأنه يجب علي متابعة
الطبيب في فترات قريبة للتأكد من حقيقة ارتفاع ضغط الدم . لكنني لم أهتم
بالموضوع كثيراً وأهملته ظناً مني أن ما سبب الارتفاع البسيط في ضغط الدم
هو الانفعال والتوتر وأنه ضغط عصبي وليس ضغطاً حقيقياً ومرت الأيام والسنون
دون التفكير في مراجعة الطبيب والتأكد من ضغط دمي إلى أن أدخلت المستشفى
بسبب التهاب شديد بالبول وارتفاع في درجة حرارة الجسم والآلام بأسفل البطن
وعندها قال لي الطبيب أن ضغط دمي مرتفع ارتفاعاً خطيراً يحتاج علاجاً لخفضه
ويجب عدم التهاون به بعد الآن لأن مخاطره قد تسبب أمراض خطيرة بالقلب و
المخ و الكلى كما أن العيون والشرايين والأوعية الدموية الأخرى تتأثر
بارتفاع الضغط المستمر . قضيت عدة أيام في المستشفى تم خلالها التحكم في
التهاب البول وارتفاع الضغط ونصحني الطبيب في الاستمرار على علاج الضغط مع
بعض التعليمات الأخرى كخفض وزني الزائد وتقليل كمية الملح في الطعام والحرص
على ممارسة الرياضة يومياً .
توقف المريض عن الكلام قليلاً وتنهد بعمق شديد ونظر إلىَّ قائلاً يا دكتور
يا ليتني سمعت كلام الطبيب فبعد خروجي من المستشفى وانشغالي بأعمالي
اليومية الكثيرة بدأت الإهمال في تناول جرعات الدواء وبالتدريج توقفت عن
تناوله لأنني لم أكن أعاني من أعراض تذكر حتى أن ممارستي للرياضة لم تكن
منتظمة وأنعدمت في الآونة الأخيرة . وبعد مرور ست سنوات بدأت أشعر بصعوبة
في التنفس مع أبسط مجهود ابذله فقال لي بعض الأصدقاء أن ما أعانيه بسبب
شراهتي في التدخين وفقري للياقة البدنية لكن الأعراض زادت حتى أنني بدأت
أشعر بالخوف على صحتي فقررت الذهاب للطبيب لأخذ رأيه ومعرفة السبب وما
فاجأني به الطبيب هو أن ارتفاع ضغط دمي الشرياني قد أثر على وظيفة القلب
وربما على وظيفة الكليتين ووصف لي العلاج للتحكم في ضغط الدم وخفضه للمستوى
المطلوب بالإضافة إلى مساعة القلب على تأدية وظيفته كمضخة وكعضو حيوي مهم
جداً للجسم . من ناحية أخرى طلب مني بعض الفحوصات الضرورية مثل فحص القلب
بالموجات فوق الصوتية وفحص الكليتين للتحقق من وظيفتهما عن طريق الأشعة
النووية . خرجت من عيادة الطبيب وقد أصبت بصدمة نفسية كبيرة بسبب ما سمعت
وما حصل لي بسبب إهمالي وتهاوني وعدم سماعي للأطباء السابقين وبعد عمل كل
الفحوصات المطلوبة راجعت الطبيب للوقوف على حجم المشكلة ، وعند مصارحة
الطبيب لي زاد حجم الصدمة النفسية فقد علمت أن قلبي متضخم وزادت سماكة
جداره أما بالنسبة للكليتين فإن وظيفتهما الفعلية انخفضت إلى ما يعادل 50%
من الوظيفة الطبيعية ولهذا السبب يادكتور قد حضرت إليك للتأكد من كل ما قيل
لي و لمعرفة ما يمكنني عمله لإرجاع حجم القلب لوضعه الطبيعي شكلاً ومضموناً
كما إنني حريص على تحسين وضع الكليتين المتدهور وها أنا أحضر كل الفحوصات
لدراستها وأعطائي رأيك الطبي الدقيق في ذلك ، بعد أن استمعت لمعاناة هذا
المريض الشاب وكيف وصل به الحال لهذه الدرجة طلبت منه الصعود على السرير
لفحصه فحصاً سريرياً دقيقاً وبعد ذلك أخذت جميع الفحوصات التي أحضرها معه
ودرستها بدقة ثم توجهت إليه بالكلام موضحاً بعض النقاط فقلت له عندما ينفعل
أي شخص يرتفع ضغط دمه الشرياني مؤقتاً يعود بعدها إلى طبيعته بعد زوال
المؤثر وبما أننا لا نستطيع منع أنفسنا من الانفعال كان من الواجب علينا أن
ننظر إليه كمقدمة للضغط الدائم وأن نعالج قدر الإمكان العوامل التي تؤدي
إلى حساسية الشرايين للمؤثرات العصبية وأن نقلل ما أمكن من هذه المؤثرات
مثل الخوف والغضب والتوتر والتعرض للتغيرات الجوية الشديدة الحارة منها
والباردة ... الخ ولهذا السبب يجب أن نلغي الفكرة القائلة أن الضغط العصبي
لا تأثير له ولا ضرر منه بل يحتاج منا الاهتمام للعلاج والوقاية من
مضاعفاته . من ناحية أخرى فقد تطور ما ظننته ضغط دم عصبي إلى ضغط دم مرتفع
بصفة دائمة ولم تحرص على متابعة تعليمات الطبيب وتناول الدواء وإنقاص الوزن
وتقليل ملح الطعام وممارسة الرياضة بل وصل بك الوضع إلى التوقف عن تناول
الدواء والتدخين بشراهة وعدم الاكتراث بصحتك إلى أن اكتشفت ما فعله بك
ارتفاع ضغط الدم واستيقظت من سباتك العميق تريد إرجاع ما فقدت . وأقول لك
أنه من الآن فصاعداً يجب علينا التحكم الدقيق بضغط دمك لنجنبك مضاعفات أخرى
خطيرة وليعود قلبك لحجمه الطبيعي بأذن الله أما كليتيك فإن وظيفتهما لن
تتحسنا وإن لم نتحكم في ضغط الدم في الحدود الطبيعية طول الوقت فإن
تدهورهما سوف يزداد وبسرعة وهذا ما لانريده ، لذا فأنا أرجوا أن تظهر حرصك
الشديد على تناول الدواء وممارسة الرياضة وإنقاص الوزن الزائد وإنقاص الملح
بالطعام والإمتناع عن التدخين مع المتابعة الدورية الدقيقة مع الطبيب كما
أرجوا ألا تفقدك الصدمة التركيز فيما قلت وعلاما أتفقنا للإهتمام بصحتك منذ
هذه اللحظة .
ظهر على وجه المريض حزن وحيرة وقال سائلاً متى سوف أحتاج إلى غسيل كلوي
صناعي يادكتور ؟ قلت له إن وضع كليتيك في الوضع الحاضر جيد وفي وجود متابعة
دقيقة مع طبيب القلب وطبيب الأمراض الكلوية سوف يساعدك الله على العيش
لسنوات طويلة دون الحاجة لغسيل كلوي . وإنني أطلب منك أن تنصح من رأيته يمر
في مثل تجربتك بتجنب ما وقعت فيه فالوقاية خير من العلاج ويجب سماع نصائح
الطبيب بكل دقة .
|