User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد الثالث

قصة قصيرة  - يوميات طبيب  -  لا أريد أن أموت
 د/ حسين عبدالله هاشم يماني

 توصلت كنا نصلي صلاة العشاء جماعة بالمسجد وبينما نحن على وشك السجود للركعة الرابعة وإذا بنا نسمع فجأة صوتاً مرتفعاً نتيجة وقوع شيئ على الأرض تبعه هرج ومرج ـ وشعرنا بوجود حركة غير طبيعية في الصفوف الخلفية من المسجد . وما أن إنتهينا من صلاتنا ونظرنا خلفنا فإذا بجمع كبير من المصلين الملتفين حول شخص واقع على الأرض عند مدخل المسجد وكل منهم يود مساعدته لكنهم بتجمعهم هذا ربما يتسببوا في زيادة ضرره عن منفعته . وذهبت مسرعاً نحوهم وأخبرتهم أنني طبيب وطلبت منهم أن يخففوا من تجمعهم للسماح له بتنفس بعض الهواء النقي ولأتمكن من الأقتراب منه ومساعدته ولتخفيف وطاءت المفاجئة على الشخص الملقى على الأرض من رؤيته لهم جميعاً فوق رأسه إذا كان واعياً ويراهم ، وما أن وصلت قرب الشخص الواقع على الأرض رأيته يتحرك ببطء رغم وجود علامات خطيرة على وجه فهو يبدو شاحباً يتصبب عرقاً مع برودة في جسده لوحظت بوضوح في يديه ورجليه وبدأت أتحدث إليه بينما كنت أجس نبضه بعناية وقد كان في كامل وعيه وأخبرني أنها ليست المرة الأولى التي تحدث له مثل هذه الوقعه خاصة عند القيام بزيادة في المجهود وهذه المرة كان يريد المريض اللحاق بصلاة الجماعة قبل أن تفوته فأسرع من خطواته لبلوغ مايريد وما أن وصل إلى المسجد شعر بآلام شديده في الصدر ووقع على الأرض مغشياً عليه وفي هذه الأثناء سمعنا صوت سيارة الأسعاف التي جاءت بعد أن إتصل بها أحد المصلين من خلال هاتفه الجوال . وفي غضون لحظات رأينا رجال الإسعاف الأبطال يقفون أمامنا ومعهم متطلبات الإسعافات الأولية ويستفسرون عما حصل فقدمت لهم نفسي وطمأنتهم على صحة المريض وطلبت منهم نقله بسرعة لسيارة الإسعاف لننقله إلى المستشفى الذي أعمل به وما أن دخلنا سيارة الإسعاف والمريض مستلقياً على السرير قمت بعمل الفحص الإكلينيكي للمريض الذي بيَّن أنه أصيب بجرح في رأسه جراء وقوعه على الأرض كما أنه يعاني من تضييق شديد بالصمام الأورطي ( الأبهر ) وبينما نحن في طريقنا إلى المستشفى وبعد أن أنتهيت من الفحص السريري توجهت للمريض بالسؤال عن سبب إهماله وتهاونه في صحته إلى أن وصل به الوضع إلى هذا الحد دون علاج وعندها تلعثمت الكلمات بفمه وبعد ثوان قليلة قال لي بصراحة لقد أُخبرت منذ فترة طويلة بخطورة وضعي الصحي وأنني أحتاج إلى علاج جراحي بأستبدال الصمام التالف بآخر صناعي معدني لكني رفضت العملية خوفاً من أن أموت أثناء العملية ولا أرى عائلتي وأصدقائي وأحبائي بعـد ذلك وهذا ما أضطرني إلى تحمل آلام الصدر وضيق التنفس والوقوع المتكرر عند بذل أي زيادة بسيطة في المجهود علماً أن طبيبي أخافني من ظهور مثل هذه الأعراض فهـى علامات خطيرة لنهاية قريبة لكنني سلمت أمري إلى الله وقلت له إن الأعمار بيد الله وهنا تدخلت بالحديث وقلت له : لكنك بأمتناعك عن تغيير الصمام التالف المتضيق تضر نفسك بنفسك كمن يقوم بعبور الشارع المكتظ بالسيارات المسرعة دون النظر إليها أو أخذ الحذر أو كمن يعبر الطريق وإشارة المرور خضراء أو كمن ترفض أجراء عملية قيصرية جراحية لها رغم خطورة حالتها الصحية وتعثر ولادتها ووجود خطر كبير عليها وعلى جنينها . ليس هذا فحسب بل يجب أن نتذكر أننا لسنا أحراراً في تصرفاتنا إذا كانت سوف تؤدي إلى ضرر كبير فنحن مؤتمنون على هذه الصحة ويجب أن نقوم بالمحافظة عليها وصيانتها وقبل أن أنتهي من حديثي مع المريض وقفت سيارة الإسعاف أمام مدخل إسعاف المستشفى وبسرعة تم نقل المريض للداخل وبعد فترة بسيطة وتفاهم مع الطبيب المناوب بالإسعاف والأقسام تم تنويم المريض بالمستشفى وتم عمل الفحوصات الأساسية اللازمة وأعطائه العلاج المناسب تلك الليلة . وفي صباح اليوم التالي جئت لأطمئن عليه فوجدت عدد من أبنائه وبناته وزوجته متلهفين للإطمئنان على صحة أبيهم وحريصين لمعرفة الأسلوب الذي يمكن أن ينقذوا به أباهم . فتحدثت إليهم بصراحة وأخبرتهم أنهم مقصرون أيضاً تجاهه فرغم علمهم بمرضه لم يبذلوا جهداً لإقناعه بأجراء العملية كأنهم يوافقونة ضمنياً على تصرفه هذا . وأحسست بعلامات الشعور بالذنب ترتسـم على وجوههم . نظر إلىَّ المريضُ قائلاً : هذه المرة يادكتور سوف أسمع كلام الدكاتره دون قيد أو شرط وعند سماعي لهذه الكلمات سررت جداً كما ظهرت علامات الفرح على الأبناء والزوجة وقمت بوضع يدي على كتف المريض وطمأنته وطمأنت العائلة وأخبرتهم أنني سوف أبذل قصارى جهدى لمساعدته لتخطي هذه الأزمة الصحية كما أنني أحتاج لعمل بعض الفحوصات الدقيقة لتأكيد التشخيص مثل عمل الموجات فوق الصوتية والدوبلر بالإضافة أننا سوف نضطر إلى عمل قسطرة تشخيصية لمعرفة الوضع الصحي للشرايين التاجية فربما أحتاج المريض لزراعة شرايين تاجية قبل تغيير الصمام الأورطي . وفي خلال أيام بسيطة تمت جميع الفحوصات وأُخذ المريض لغرفة العمليات وتمت عملية تغير الصمام الأورطي بنجاح دون مضاعفات تذكر وفي أقل من 24 ساعة تم نقل المريض من العناية المركزة لقسم التنويم العادية وفي غضون أيام بسيطة وبعد إحساس الجراح بأنه في وضع جيد تمت إجراءات خروج المريض إلى البيت وقد أعطى المريض تعليمات بكيفية التدرج في القيام بالمجهود والحركة والجهد إلى أن يصل للجهد المطلوب منه عمله في الحياة اليومية هذا بالإضافة إلى أعطاء بعض العلاجات الدوائية والتي من أهمها علاج الورفاريين المميع للدم الذي سوف يؤخذ مدى الحياة لمنع حدوث تكتلات دموية وتجلطات على الصمام الصناعي المعدني التي لو حدثت لسببت مضاعفات خطيرة على وظيفته وعلى حياة المريض ولو ذهبت مع الدورة الدموية لسببت أنسداد في بعض الشرايين المغذية للأعضاء الحيوية المهمة مثل المخ أو العينين أو الكليتين . وعند زيارتي للمريض رأيت الفرحة مرتسمة على وجهه ووجه جميع أفراد العائلة الذين جاءوا لاصطحابه إلى البيت شاكرين الله على سلامة والدهم وشاكرين الجميـع على مابذلوه تجاهه . وقبل توديعي للمريض ومغادرتي غرفته رفع المريض يديه لله داعياً أن يوفقنا لإكمل مسيرتنا الإنسانية . كما تعهد المريض أن يكون حريصاً في أتباع التعليمات المعطاه له من قبل الطبيب كما أخبرني أنه سوف يحرص على أن يشجع من يعرفهم من المرضى على التخلي عن الخوف والرجوع عن الرأي الخاطئ الذي في غير محله تجاه صحتهم وأن نتوكل جميعنا على الله تعالى فهو خالقنا ومتكفل بكل أمورنا قال تعالى ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) صدق الله العظيم .