User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد الثامن

قصة قصيرة  - يوميات طبيب  -  أبحث عن الحقيقة
دكتور / حسين عبدالله هاشم يماني

كانت العيادة مزدحمة بالمرضى ، وبينما كنت أراجع ملف أحد المرضى دخلت على مريضة في العقد الرابع من العمر وألقت التحية لكنها كانت مضطربة ومنزعجة تتلعثم في الكلام وتستخدم يداها في التلويح زيادة في التعبير عما تريد أن تقول وتعبر عنه . طلبت منها الجلوس والهدوء كي أتمكن من فهمها ومعرفة مابها وتسجيل التاريخ المرضي والاستفسار عن الحالة بكل دقة ووضوح لكنها لم تتوقف عن الكلام موضحة سبب انزعاجها ، قالت لقد فقدت الثقة في مايقوله أغلب الأطباء الذين زرتهم بالمستشفيات والعيادات الخاصة لأن ماقاموا به لم يساعد على حل مشكلتي الصحية بالإضافة إلى شعوري بأنهم أخفوا عني الحقيقة أو جزءاً منها حول مرضي وما أعانيه .
كنت أتأمل المريضة وأنظر لطريقة عرضها وتعبيراتها وأحاول أن أشعر بحجم ماتشعر به ، طلبت منها أن تـهدأ وتركز معي لتتمكن من إعطائي المعلومات الصحيحة والأعراض التي تشعر بها منذ بدايتها إلى اللحظة التي هى أمامي فيها بكل دقة ووضوح .
بدأت المريضة بوصف الأعراض والملاحظات وكنت أتدخل بمقاطعتها من فترة لأخرى بعرض سؤال أو طلب توضيح معلومة لأصل إلى صورة واضحة عن حقيقة شكواها ومرضها التي تعتقد أنه مرض خطير بالقلب وشراينه وصماماته وأن أيامها معدودة في الحياة لكن ما أستنتجته من كل ماوصفته وعبرت عنه كان مختلفاً لحقيقة شعورها . طلبت منها أن تصعد فوق سرير الفحص حتى أتمكن من فحصها فحصاً إكلينيكياً دقيقاً لتزداد الصورة وضوحاً ، وبعد أن انتهيت من ذلك تيقنت أنه لامبرر لخوفها وانزعاجها الكبيرين وأن ماتشتكي منه نتيجة أفكار ومخاوف ولا وجود لمشكلة عضوية . رجعت المريضة إلى الكرسي وسألتني رأي ، لم أخبرها الحقيقة كما شعرت بها ولمستها لأنها ربما تغادر عيادتي لعيادة أخرى بحثاً عن حقيقة ليست موجودة . قلت لها أنني متفائل بالخير وما ظهر لي من التاريخ المرضي والفحص السريري يطمئنني كثيراً وهذا بدوره يجعلك تشعرين بالارتياح وعدم القلق ، طلبت من المريضة عمل بعض الفحوصات التي أراها مهمة لتأكيد وضعها الصحي على أن أراها في عيادتي بعد إسبوع وأنه لاداعي لتناول أي علاج .
راجعتني المريضة في الموعد المحدد وبعد مراجعة كل النتائج والفحوصات تأكد لي شعوري السابق ، فقلبها سليم مائة بالمائة وأن أعراضها كلها وهمية فكرت كيف أقنعها بحقيقة ذلك الأمر لأنها صاحبة شخصية وعقلية يصعب تصحيح معتقداتها بسهولة فهي على قناعة بوجود علة بالقلب .
بدأت معها من البداية فناقشتها في الأعراض بالتفصيل ثم تدرجت في مناقشة ماوجدته أثناء الفحص السريري ثم ناقشت جميع نتائج الفحوصات وخلصت معها لاستنتاجي المهم وهو خلوها من أي علة عضوية بالقلب ونصحتها بعدم التنقل من طبيب لآخر بحثاً عن حقيقة لاوجود لها ، لم يكن الأمر بتلك السهولة لكنني نجحت والحمد لله في إقناعها بحقيقة وضعها الصحي وقد أستشهدت في حديثي معها ببعض الجمل والكلمات التي ذكرتها لي في المقابلة السابقة من وجود مشاكل أسرية وعائلية كبيرة قد يكون لها دور كبير في ظهور تلك الأعراض التي ربما يكون ظهورها محاولة للهروب من تلك المشاكل والمعاناة النفسية الكبيرة . حاولت رفع معنويات تلك المريضة وأخبرتها أن الحياة لن تتوقف عند مشكلة بل يجب علينا أن نكون أقوياء لتخطي الصعوبات بقوة إيمانناً وصبرنا لنكون عند مستوى المسئولية وأن الهروب بتلك الطريقة ليس حلاً ، كما نصحتها ألا تقوم بالتشويش على ذهنها وأفكارها بعد قراءة بعض المعلومات الطبية عن الأمراض أو بعد سماع أخبار مرضية عن بعض الأشخاص والنجوم المشهورين أو ماتسمعه داخل المجالس العائلية أو المجالس الاجتماعية ولايمكن لشخص تشخيص نفسه قياساً على أعراض أو معلومات سمعها من أشخاص آخرين .

بدى السرور على المريضة وقالت لي إن التوضيح والشرح قد أراحها كثيراً وأزاح الشعور بعدم الثقة في بعض ما يقوله الأطباء الذين لايتكبدون العناء في التحدث لمرضاهم وبناء روابط قوية معهم والتي تعتبر أساساً قوياً للتعامل في الحاضر والمستقبل خاصة إذا كان مشوار العلاج طويلاً .
شكرتني المريضة على كل مابذلت وقد كان ردي أن مافعلته واجب علىكل طبيب ولايجب أن نشكر عليه فمهنتنا مهنة انسانية نتعامل فيها مع النفس والجسد معاً وأن بناء جسراً من الثقة والمحبة بين الطبيب ومريضه من أساسيات العلاج الناجح .