|
قصة قصيرة - يوميات طبيب -
إجازة قصيرة
دكتور / محمد بن صالح الجاسر
المشرف العام على إدارة التغذية بوزارة الصحة
المملكة العربية السعودية
لعل
الجميع يقدر حجم الجهد الجسدي والذهني المبذول من قبل الطبيب أثناء عمله
اليومي منذ استيقاظه إلى ساعة نومه المتأخر من الليل وربما نومه عدة مرات
من الاستيقاظ لإعطاء الرأي الطبي أو الذهاب الشخصي خارج المنزل لمعاينة
وعلاج مريض في حالة خطيرة .
وفي يوم من الأيام كنت أتصفح أحد المجلات الطبية وإذا
بي أقرأ عن موعد انعقاد ندوة علمية طبية لبضعة أيام في أحد المنتجعات
السياحية خارج الوطن ، فكرت وحلمت قليلاً وقلت لنفسي لماذا لا أذهب إلى تلك
الندوة الطيبة وأصطاد عصفورين بحجر واحد منها الوقوف على أحدث المستجدات
الطبية القلبية ورؤية بعض العلماء . والتخاطب معهم وتبادل الآراء
والمعلومات أما الغرض الآخر للسفر فهو أخذ قسط بسيط من الراحة النفسية
والذهنية والجسدية أثناء إقامتي بذلك المنتجع المتوقع جناله وطبيعته .
أستيقظت من حلمي وقررت عمل ترتيبات الذهاب لتلك الندوة وبعد ثلاثة أسابيع
قمت بالرحلة العلمية وتحملت مشقة السفر بالطائرة لعدة ساعات ومشقة
الإجراءات داخل المطار من جوازات وجمرك وخلافه . وبعد خروجي من المطار ركبت
سيارة ليموزين للسفر بالسيارة مدة تزيد عن ساعتين للوصول إلى ذلك المنتجع
الذي يقع على البحر ويجمع ما بين الطبيعة الخلابة والمسكن المريح وزرقة
البحر الصافي الدافئ . وعند وصولي ذلك المنتجع تمنيت أنني بصحبة عائلتي
وأولادي لقضاء بعض الوقت به وفي تلك هذه اللحظه شعرت أن الوحدة لها دور في
معاناة كثير من الشخاص وبعد قضاء فترة من الإسترخاء والراحة ذهبت لتناول
عشاء خفيف ثم قمت بجولة داخل ذلك المنتجع استعداداً للنوم لأتمكن من الذهاب
لأول أيام الندوة العلمية في صباح اليوم التالي . وبعد قضاء ما يزيد عن
الساعة من المشي الجاد في ذلك الجو الجميل والمناظر الرائعة عدن إلى السكن
وأنا أحلم باللحظة التي أضع فيها رأسي على الوسادة من شدة ما أشعر به من
تعب وإرهاق لكن ليس قبل الاستحمام بماء دافئ كما هو عادتي بعد كل رياضة
لمساعدتي على الاسترخاء والشعور بالنوم الهميق الممتع ، وفي فجر تلك
اللليلة أستيقظت وبعد أدائي صلاة الفجر قررت إعادة تجربة المشي التي أعطتني
الإحساس بالمتعة والإنتعاش والخفة ومع ظهور الضوء وبزوغ أشعة الشمس عدت إلى
غرفتي إستعداداً لتناول وجبة الإفطار ,الذهاب إلى مكان انعقاد الندوة
العلمية . وما فاجأني أثناء التسجيل لحضور الندوة ذلك الجدول الحافل
بالمحضرات والمناقشات الدسمة لجميع أيام الندوة من الصباح إلى ما بعد صلاة
العشاء تتخللها ساعة للغداء فقط . قلت في نفسي هل جئت لللترفيه والترويح
والإبتعاد عن الضغط الجسدي والنفسي أم جئت لحضور ثلاثة أيام طويلة من
المناقشات العلمية البحتة التي ينقصها الترفيه مع تكبد عناء السفر الطويل
في حيقة الأمر شدني كل ما قيل من معلومات وأبحاث ومناقشات وشعرت أن متعتي
الحقيقية كطبيب موجودة مع تبادل المعلومات بيني وبين أصحاب الخبرة العلمية
والعملية وينعكس دورها عند تنفيذ ما أكتسباه من جديد في الطب على مرضانا
فنحن الأطباء نقوم بواجبنا الإنساني على أكمل وجه .
قد يستغرب البعض ما حصل . ففي أول أيام الندوة العلمية شعرت بالحين لمرضاي
وكنت على تواصل تلفونياً طيلة أيام المؤتمر مع مساعدي الأطباء لمعرفة أوضاع
المرضى وتطور حالاتهم واعطاء التعليمات عن بعد لحين رجوعي ومالاحظته أن ما
كنت أمر به من تفاعل نفسي بين الغربة والوحدة والبعد عن المرضى كان موجوداً
داخل نفوس كثير من الزملاء الذين تعرفت عليهم أثناء انعقاد تلك الندوة .
فأخلاقيات المهنة الطبية والعهد الذي أخذناه على أنفسنا ببذل قصارى جهدنا
من أجل خدمة الإنسانية يزيل الضغط النفسي والتعب الجسدي الذي نشعر به
فابتسامة المريض تبهج القلوب وزوال العلة يرفع الهمة.......
|