User Name

Password

Forgot Password

New Member

English

صحة القلب ـ العدد الثاني

قصة قصيرة  - يوميات طبيب  - القاتل الصامت
د/ حسين بن عبدالله هاشم يماني


كانت العيادة مليئة بالمرضى ومنهم من أنتظر فترة طويلة قبل الدخول على الطبيب وكلهم أنتظر أشهر لرؤية طبيبه في يوم موعده المسجل ومن بين المرضى الذين رأيتهم في عيادتي في ذلك اليوم الشاق رجل يبلغ من العمر 42 عاماً ترافقه زوجته وقد تم تحويله من العيادات الأولية إلى عيادة القلب لملاحظة طبيبه المعالج أن ضغط دمه مرتفع في كل الزيارات التي تمت بالعيادات الأولية لمتابعة سكر دمه المرتفع وقد رفض المريض الأستمرار على العلاج لظنة أنه لايعاني من أي أعراض وأن مشكلته لاتستوجب كل تلك العلاجات والمتابعة . لذا قرر الطبيب تحويله لعيادة القلب لتتم المتابعة والعلاج بصورة أفضل وعلى أساس سليم . وبينما كنت أنظر إلى ملاحظات طبيبه السابق داخل الملف الطبي دخل المريض ومعه إمراءه ترافقه وبعد أن سلما وجلسا أفتتحت المرأة المرافقة الحديث وقدمت نفسها بأنها زوجت المريض . قائلة يادكتور إن زوجي يعاني من أخذ كميات كبيرة من الحبوب وهو يشعر أن صحته جيدة وأن سكره في الدم لايسبب له إزعاجاً ويريد أن يقلل قدر الإمكان من الحبوب الكثيرة خاصة وأن طبيعة عمله لاتساعدة على أخذ العلاج بأنتظام . فأستأذنت منها أن أبدأ المقابلة الشخصية مع المريض نفسه ومعرفة كافة التفاصيل منه مباشرة ويمكنها التدخل وقت شاءت إذا أنه بالإمكان إضافة معلومة أو معلومات قد تفيد معرفة التاريخ المرضي ثم توجهت بالحديث للمريض الذي بدت علامات عدم الأرتياح والتوتر واضحة على وجهه فسألته ماطبيعة عمله فقال : أنا سائق شاحنة كبيرة بين المدن فسألته : ومنذ متى وأنت تعالج من أرتفاع السكر بالدم . فقال : تم أكتشاف مرض السكري منذ خمس سنوات بعد ظهور أعراض جديدة ومزعجة مثل العطش الشديد وكثرة التبول وبعد الفحوصات اللازمة قرر طبيبي أستعمال العلاج عن طريق الحبوب بالإضافة إلى الحمية الغذائية . ومع الأسف فرغم أخذي للحبوب ومحاولاتي الجادة للحمية الغذائية إلا أن مستوى السكر بالدم كان مرتفعاً دائماً مما أضطر طبيبي زيادة جرعات العلاج بالحبوب بل وإضافة علاج آخر . وسألته : وكيف تم أكتشاف ضغط دمك المرتفع ؟
فقال : قبل إصابتي بسكري الدم لم أعرف عن أرتفاع ضغط دمي لأنني خلال حياتي كلها لم أذهب لطبيب للإستشارة الطبية وعندما كنت أصاب بألتهابات بسيطة في اللوزتين أو بسبب وجود كحة أذهب للصيدلي وأخذ بعض العلاجات التي كانت تساعدني على الخروج من المشكلة دون مضاعفات صحية وفي الزيارات الأولى من متابعتي لمرضى السكري فوجئت بما يقوله الطبيب من وجود أرتفاع في ضغط الدم وأحتياجي لأخذ العلاج الدوائي للتحكم في ضغط الدم رغم أنني لاأعاني من أي أعراض ولامشاكل طبية أخرى . وفي هذه اللحظه تدخلت الزوجة بالحديث مستفسرة عن الأسباب الطبية المؤدية لأرتفاع ضغط الدم .
فأجبتها : إن مابين 90-95 % من حالات ضغط الدم غير معروفة السبب لدى الأطباء وتسمى بالأسباب الإبتدائية أما ماتبقى من النسبة المئوية وأعني مابين 5-10% من الحالات فتندرج تحت عنوان الأسباب الثانوية وتوجد أمراض كثيرة تسبب أرتفاع ضغط الدم الشرياني الثانوي . منها تضيق الشرايين المغذية لكلية واحدة أو لكليتين أو نتيجة الإلتهابات المتكررة للكلى أو الجهاز البولي أو نتيجة وجود حصى بالكلى أو بسبب أضطرابات أو أمراض بالغدد الصماء أو نتيجة تعاطي علاجات معينة تساعد على زيادة السوائل بالجسم وأرتفاع ضغط الدم .
وتدخلت الزوجة مرة ثانية مستفسرة عن سبب أرتفاع ضغط دم زوجها وهل هو أبتدائي أم ثانوي ؟ فقلت لها : يجب علينا بعد أخذ التاريخ المرضى وعمل الفحص السريري الإكلينيكي وعمل بعض الفحوصات الأولية التي سوف يكون لها دور في مساعدة الطبيب في تقرير عمل فحوصات أخرى أو التوقف عند ذلك الحد لعدم أحتمال وجود أسباب ثانوية ، ثم أستأذنتها لإكمال الحديث مع زوجها وتوجهت بالسؤال للمريض مرة ثانية لمعرفة تاريخ عائلته المرضي ؟
فأجاب نافياً وجود أي مرض طبي يذكر حتى السكري ليس موجوداً بالعائلة وكان آخرأسئلتي للمريض قبل الفحص السريري الإكلينيكي عن عادة التدخين ، هل يدخن وكم عدد السجائر المدخنة ومدة تدخينه ؟ وكان تفاعله لهذا السؤال سريعاً ونفى علاقته بالتدخين . أو أي أنواع أخرى مثل الشيشة أو المعسل مطلقاً وبعدها طلبت من المريض الذهاب إلى السرير المخصص للفحص الإكلينيكي .
وبعد أستلقائة على السرير لاحظت علامات كثيرة تدل على وجود سمنة مفرطة. وأن أصابع يديه بها علامات صبغة النيكوتين نتيجة شراهة المريض للتدخين فتوجهت مباشرة بسؤالي للمريض عن سبب أنكاره التدخين ومظهراً دهشتي لإنكاره هذه الحقيقة رغم أن العلامات واضحة عليه .
تأسف المريض على كذبته هذه وبررها بعدم مقدرته على التخلي عن هذه العادة السيئة أبداً وأنه لو ذكرها لي عند سؤالي فسوف تكون نصيحتي له الإمتناع عن التدخين تماماً وهذا من المستحيلات بالنسبة له خاصة أنه يسافر مسافات طويلة بمفردة دون جليس أو ونيس وأن السيجارة سبب تسليته الوحيدة خلال وحدته في سفره . وبعد هذا التبرير الغير مقنع فضلت عدم الخوض في الحديث كثيراً في هذا الموضوع في الوقت الحاضر حتى أفرغ من الفحص الإكلينيكي . ومن خلال فحصي لكامل أعضاء جسمه تبين تأثر الرئتين بالتدخين وتأثر شرايين قاع العين بأرتفاع ضغط الدم والذي يبدو أنه حدث من زمن طويل دون ظهور أعراض أو أكتشافه أو ملاحظة المريض لذلك ربما قبل أكتشاف مرض السكري . وبعد أنتهائي من الفحص الإكلينيكي طلبت من المريض الرجوع إلى كرسيه لإكمال حديثنا . وبعد أن جلس المريض قمت بنفسي بقياس ضغط الدم في ذراعه اليسرى وذراعه اليمنى ومقارنتها مع قياس ضغط الدم الذي تم وهو على السرير وقد كانت جميع القراءات مرتفعة فالقراءة العليا ( الضغط الأنقباضي ) والقراءة الصغرى ( الضغط الأنبساطي ) كلاهما مرتفع وهذا يقوي أعتقادنا أن ضغط الدم الشرياني ليس عرضاً طارئاً أو نتيجة الشد أو الضغط العصبي والذي يرفع غالباً القراءة العليا ( الضغط الأنقباضي ) وهذه حجة يتحجج به كثيراً من الناس المقاومين لأخذ العلاج وما أن فرغت من قياس ضغط الدم توجه المريض إلىّ بسؤال عن أنطباعي العام وعن رأي في مسألة ضغط دمه فأخبرته أن لديه أكثر من مشكلة طبية وهى تشكل عوامل خطورة على صحته وقلبه فلديه مرض السكري والذي يقع خارج نطاق السيطرة الكاملة وهذا يسبب على المدى الطويل تدهور في وظائف الأعضاء الحيوية وتدمير لشرايين الجسم وخاصة القلب والكلى والعين والمخ . والمشكلة الثانية هى التدخين وبشراهه فهو يسبب جميع أنواع الأورام الخبيثة بالجسم منها أورام الرئة كما أنه يضاعف قابلية حدوث أمراض الشرايين التاجية بالقلب خمسة عشرة ضعفاً مقارنة بالأصحاء في مثل عمره وتتضاعف إذا كانت مصاحبه لعوامل خطورة أخرى . بالإضافة إلى أمراض الصدر المزمنة وأمراض الجهاز الهضمي وأضطرابات النفس والإكتئابات الشديدة وربما يؤدي أيضاً إلى تدهور السلوكيات التي تساعد وتشجع الشخص على تعاطي المخدرات وشرب المسكرات والأرتباط برفاق السوء أما المشكلة الثالثة التي يعاني منها المريض فهى وجود أرتفاع ضغط الدم الشرياني أو مايسمى بالقاتل الصامت الذي يكون في أغلب الأحيان مرتفعاً دون حدوث أعراض تذكر ويقوم على المدى الطويل بتدمير جميع شرايين الجسم ثم تدمير جميع الأعضاء الحيوية مثـل الكلــى ( مسبباً الفشل الكلوي ) والقلب ( مسبباً تضخم بالقلب يتبعها هبوط وفشل في وظيفة عضلة القلب ) ويعتبر ضغط الدم المرتفع من عوامل الخطورة المهمة لزيادة نسبة حدوث أمراض الشرايين التاجية للقلب وربما أحتشاء حاد بعضلة القلب في أي وقت دون أبداء أي مقدمات أو بظهور علامات ذبحة صدرية مستقرة أو الغير مستقرة ومن الأعضاء المهمة المستهدفة من قبل ضغط الدم المرتفع المخ وشرايينه فربما يسبب جلطة دماغية حادة أو نزيف بالمخ أو سكته مخية بالإضافة إلى المضاعفات الخطيرة التي ممكن أن يسببها الأرتفاع المزمن لضغط الدم على العينين والشبكية والرؤية لذا فضغط الدم المرتفع مرض خطير يعمل في صمت دون إحداث أعراض تذكر تكون كعامل إنذار من هذا المرض أو مضاعفاته . كما أنه لايشجع المريض على الأستمرار في أخذ العلاج عند أكتشافه للتكلفة المادية المرتفعة للعلاج ولوجود بعض الأعراض الجانبية الغير مرغوب بها خاصة المعاناة الجنسية دون إحساس المريض بفائدة من علاجه . لكن لو كانت توعية ودراية المريض ومعرفته بالمرض وخطورته واضحة على الجسم وأعضاءة على المدى الطويل لأقتنع بأستعمال العلاج دون تهاون أو كسل لمنع فشل الأعضاء المهمة ولمنع حدوث أحتشاء بالقلب أو فشل بوظيفتة أو حدوث جلطة مخية أو تمزق بالشرايين الكبيرة بالجسم جراء أرتفاعه أو حدوث الموت كنهاية مأساوية جراء هذه كلها . أو إحداها .
وأخيراً أقتنع المريض بما ذكرته وقرر أن يتوقف عن التدخين نهائياً ودعى الله أن يساعده ويمده بعزيمة قوية تهون عليه ماسيعانيه من مضاعفات جانبية جراء إيقاف التدخين فجأة . كما عقد العزم على أتباع جميع تعليمات الطبيب في العلاج والمتابعة .
كما قام المريض بتدوين نصائحي له بأتباع الحمية الغذائية ذات السعرات المحددة للمحافظة على نسبة السكر بالدم قريبة من المستوى الطبيعي وسجل أنواع قليلة الدهون الحيوانية والتي سوف تساعد على خفض نسبة الكولسترول وتقليل مقدار السمنة التي تعتبر من عوامل الخطورة على القلب وشرايينه .
وكان آخر أستفسارات المريض عن فكرة منع أكل الملح في الطعام وهل هذا يفيد في خفض ضغط الدم ؟ وكانت إجابتي بتقليل ملح الطعام لأقل من النصف وزيادة نسبة المأكولات عالية البوتاسيوم مثل الموز والبرتقال للمساعدة في خفض ضغط الدم . كما شجعته على شغل أوقات فراغه بأشياء مفيدة مثل القراءة وحفظ القرآن وعدم التفكير ولو للحظة للرجوع للتدخين كما أن ممارسة الرياضة البسيطة المنتظمة ومحاولة تغير طبيعة عمله ( المجهد بدنياً وفكرياً ) سوف تساعده في المحافظة على الجسم صحيحاً وتساعد في التحكم في مرض السكري وضغط الدم المرتفع .
وأخيراً قررت عمل بعض الفحوصات المخبرية للمريض للوقوف على حقيقة وضعه الصحي المخبري ومعرفة سبب أرتفاع ضغط دمه كما أعطيته تحويلات أستشارية لطبيب مرضى السكري وطبيب العيون ليقوما بمتابعة المريض معي متابعة دقيقة لتجنب أي مضاعفات خطيرة مما يعاني وفي نهاية المقابلة خرج المريض وزوجته وعلى وجهيهما علامات الأرتياح للوضوح والصراحة التي أتسمت بها المقابلة والمعلومات التي حصلا عليها بعد ما كانا يعانيان من واقع جهلهما عن حقيقة الأمراض ومشاكلها .