|
العلاج الجراحي للوقاية من الجلطة الدماغية
دكتور / حسين بن محمد ربيع
أستاذ مساعد وأستشاري جراحة الأوعية الدموية
كلية الطب – جامعة الملك سعود - الرياض
مقدمة
في سيولة وميوعة مقدرة من لدن حكيم خبير ينطلق تيار
الدم المتدفق من مضخة القلب – التي لاتهدأ ولاتستكين – إلى خلايا المخ
النشطة والمتعطشة دائماً إلى هذا السائل الأحمر الذي يكمن فيه سر الحياة .
والطريق من القلب إلى المخ ليس بالطويل ولاهو بالضيق ، ولكنه قصير واسع يمر
خلال شريانان رئيسيان يمتدان خلال الرقبة يعرف كل منهما بالشريان السباتي
ليغذي كل منهما نصف المخ الذي يقع في نفس جهة الشريان ، ولكنه يتحكم في
النصف المقابل من حركة وأحساس جسم الإنسان ومع تصلب الشريان السباتي بتقدم
العمر وتوافر عوامل الخطر التي تسرع من ظهور مضاعفات تصلب الشرايين مثل
التدخين وزيادة كمية الدهون بالدم ومرض السكر وأرتفاع ضغط الدم الشرياني
يضيق هذا الشريان داخل الرقبة وتتعرج جدرانه وتترسب عليه حبيبات الكولسترول
الصلبة وتجلطات الدم الصغيرة فيزداد تضييق الشرايين السباتية وشرايين المخ
كذلك وتتصلب جدرانه فتفقد ما أودعه الله سبحانه وتعالى من قدرة على التوسع
عند أفتقار المخ إلى هذه التروية المستمرة سواء كان هذا الأفتقار بصورة
حادة أو مزمنة . وفجأة وبدون مقدمات لاتتحمل خلايا المخ الحساسة النقص
الشديد في التروية نتيجة لتضيق الشريان وضعف تيار الدم المتدفق خلالها أو
تحول جلطة صغيرة من جدران الشريان المريض لتسير مع تيار الدم وتنسد بها أحد
شرايين المخ . وهنا توقف وظائف الخلايا وتنشل حركة المريض ويتوقف الأحساس
وقد يفقد الوعي ويقع في غيبوبة عميقة في ثوان محدودة ، أو سنوات طويلة
تعتمد على عدة عوامل أولها لطف الله تبارك وكرمه على مرضاه ثم حجم الشريان
أو الشعيرات الدموية المتجلطة وبالتالي مكان وحجم خلايا المخ المتأثرة بهذه
الجلطة .
ومع
لطف الخالق الحكيم الخبير ومكوث الجلطة الدماغية لمدة ثوان أو دقائق وحدوث
شفاء كامل من هذه الجلطة الوقتية في مدة أقل من 24 ساعة تعرف بالإفتقار
العابر ، أو حتى في حالة حدوث جلطة دماغية كاملة قد يتماثل المريض بعدها
للشفاء الملحوظ لكن يظل الخطر من حدوث جلطة تالية كامناً . وقد عكف
الباحثون والأطباء على دراسة أحتمالية تكرار الجلطة والوقاية من حدوث ذلك
لما يمثل من خطر وفاة المريض أو قعوده عن الحركة أو الإتصال بالأخرين مدى
الحياة فوجدوا أن هذه الأحتمالية تتراوح مابين " 21-30% " على مدار السنوات
الثلاث التالية لهذا الأنذار الأول . وعلى مدى الأربعين سنة الماضية ظهرت
أهمية الكشف على نسبة تضيق الشريان السباتي ومقدار مشاركتها في خطر حدوث
الجلطة الدماغية ، واليوم بعد فيض من البحث والأستقصاء أصبح هناك الأقتناع
المبني على الأدلة والبراهين العلمية أن تضيق الشريان السباتي بنسبة 70% أو
أكثر من ذلك تمثل خطراً ملحوظاً وأحتمالية عالية للإصابة بالجلطة الدماغية
، وللوصول لحل لهذه المشكلة التي تهدد المرضى بالقعود عن الحركة وشلل
الأطراف عكف أطباء الأعصاب وجراحي الأوعية الدموية على عقد المقارنات
العلمية بين العلاج الدوائي بالأسبرين الذي يقلل من ألأتصاق الصفائح
الدموية عند الشرايين الضيقة وبين الجمع بين العلاج الدوائي والعلاج
الجراحي عن طريق أستئصال الجدران الداخلية الضيقة المبطنة للشرايين
السباتية المريضة وعمل الرقعة الجراحية اللازمة لتوسيع الشريان وأسترجاع
تدفق الدم الطبيعي للمخ . ووجد أن الحل الجراحي يقلل من خطر الإصابة بجلطة
المخ من 25 إلى 30% فقط على مدار 3 سنوات ، وبعد نشر هذه الدراسات التي
أجريت في عدة مراكز في أوروبا وشمال أمريكا في أوائل التسعينات أصبحت هذه
الجراحة أكثر جراحات الأوعية الدموية شيوعاً في الولايات المتحدة لما لها
من أثر واضح على صحة المرضى وحركتهم وحيويتهم المطلوبة .
وهنا قفز إلى الأذهان أسئلة عديدة عن حقيقة هذا المرض بين المرضى السعوديين
وكيفية أنقاذهم من الجلطة الدماغية التي تمثل خطراً داهماً عليهم وعلى
أسرهم وأقاربهم بل والمجتمع الذي ينفق الكثير من الأستثمارات للأرتفاع
بالمستوى الصحي للمواطن السعودي والوقاية من الأمراض المعطلة عن الأنتاج
والمستهلكة لوقته وماله ومشاعره مثل الجلطة الدماغية .
وعندما بدأ أنشاء وحدة جراحة الأوعية الدموية في مستشفى الملك خالد الجامعي
بكلية الطب – الرياض منذ حوالي 8 سنوات كان هناك أعتقاد خاطئ بندرة أمراض
الشريان السباتي في المملكة والبلاد العربية وفي وجود أمكانات تشخيصية
عالية المستوى وفريق طبي مدرب تمكنت وحدة جراحة الأوعية الدموية من علاج
عشرات من المرضى السعوديين جراحياً سنوياً وبنجاح أشاد له نظرائهم من جر
احي الدول العربية والغربية أثناء المؤتمرات الدولية التي نشرت فيها نتائج
عملياتنا الجراحية .
ومن خبرننا نقترح القيام بخطوات الأكتشاف المبكر لأمراض الشريان السباتي في
الوقت المناسب بواسطة الفحص السنوي بالموجات الصوتية في مختبرات الأوعية
الدموية لكل المرضى الذين سبق أصابتهم بجلطة دماغية وقتية أو دائمة وتم
الشفاء منها بدرجة ملحوظة أو فقد الأبصار المؤقت دون سبب موضعي بالعين لذا
يجب على كل مريض أصابه بصورة مؤقته ولو لمدة ثوان معدودة عدم القدرة على
الحركة أو أنعدام الإحساس في أحد الأطراف أن يبادر بالإتصال بطبيبه المباشر
لعرضه على أحد جراحي الأوعية الدموية لفحصه والتأكد من سلامة شرايين الرقبة
. ولقد توافرت المعلومات البحثية على 442 مريضاً ترددوا على وحدة جراحة
الأوعية بمستشفى الملك خالد لفحص الشريان السباتي (ى 87% مرضى سعوديين )
وجد أن متوسط أ‘مارهم كان أكثر من 60 عاماً و70% منهم على الأقل مصابين
بأمراض أرتفاع الضغط وزيادة نسبة الدهون بالدم وقصور الشريان التاجي .
ومن توصياتنا المهمة التأكيد على الحرص في إجراء الفحوص اللازمة لهذه
النوعية من المرضى ومتابعتهم حتى يتسنى إجراء العلاج المناسب لهم ونحمد
الله مرة أ×رى ومرات كثيرة ، ونحن نعلن عن نتائج المتابعة المستمرة للمرضى
الذين تم علاجهم جراحياً بنجاح تام والتي تظهر عدم تكرار أصابتهم بظواهر
أمراض الشريان السباتي بعد الجراحة الناجحة بل ونعلن أيضاً عن نجااح إجراء
جراحة توسيع الشريان السباتي وجراحة توصيلات الشرايين التاجية سوياً بواسطة
تعاون فريق طب مكون من جراحي القلب وجراحي الأوعية الدموية .
لم يكن طريق النجاح سهلاً وسريعاً ولكنها الأميال تقطع خطوة خطوة للوصول
للهدف وفي ظل توفيق الخالق جلا وعلا تتحقق الأهداف وتصبح أحلام الأمس حقائق
اليوم .
|